تتبع "عربي بوست" نشاط شركة "إلبيت سيستمز" الإسرائيلية، بدءاً من خريطة النفوذ وشبكة الزبائن، وصولاً إلى حجم الاستفادة من الحروب كما في غزة، وتحوّلها من لاعب محلي إلى دولي، له دور مركزي في تزويد دول عدة بـ"الأسلحة المجربة" على المدنيين.
اعتمد التحقيق على إفصاحات وبيانات الشركة على في بورصة تل أبيب وهيئة الأوراق المالية الأمريكية، وموقع الشركة الإلكتروني، والمصادر الغربية الموثوقة والحقوقية، التي اتهمت الشركة بانتهاك حقوق الإنسان.
تضمنت البيانات خارطة انتشار شركة "إلبيت سيستمز" في العالم، والمقارنة بين إيراداتها ما قبل وبعد الحروب، وجدول العقود الدولية والمجهولة التي قامت بها.
ولطالما أثارت هذه الشركة الإسرائيلية الجدل في التقارير الغربية والحقوقية، ولكن هذه المادة ترصد بشكل أشمل نشاطاتها، لاسيما خلال الحرب الروسية على أوكرانيا، والحرب على غزة، والقطاعات التي أنتجتها مستفيدة من تلك الحروب، لتقديم أسلحة "مجربة على المدنيين".
أولا: انتهاكات القانون الدولي وتجربة تقنياتها في الحروب
على مدار سنوات، واجهت "إلبيت سيستمز" اتهامات متصاعدة بأن نموذج أعمالها يعتمد على تحويل النزاعات إلى "مختبر عملياتي" تُختبر فيه تقنيات وأساليب قتال تُسوَّق لاحقاً بوصفها "مجربة ميدانياً وقتالياً". وتظهر هذه الديناميكية بوضوح في مسارات رئيسية:
1- "مجربة في المعارك" كأداة تسويق
تُظهر الإفصاحات الرسمية لشركة Elbit Systems أن عبارة "مجرّبة في المعارك" ليست تعريفاً تقنياً مُقننًا بقدر ما هي سردية تسويقية قيّمة بالنسبة للشركة. وتُستخدم تلك العبارة كإشارة ثقة ضمن سوق مشتريات دفاعية شديد الحساسية للمخاطر، حيث تحاول الشركة تقديم "الخبرة العملياتية" بوصفها ميزة تنافسية، تقلص مخاطر الشراء لدى الجهات الحكومية والقوات المسلحة والمقاولين الدفاعيين.
في البحث في افصاحات الشركة، تظهر أيضاً صيغ عدة متقاربة تؤدي وظيفة "مجرّبة في المعارك"، أبرزها:
"tested and proven systems" منظومات مُجرّبة في المعارك.
"operationally‑proven systems"، أنظمة أثبتت كفاءتها عملياتياً.
"field proven"، مُجرّب في الميدان.
إفصاح الشركة باستخدام مصطلح "operationally‑proven systems"
إفصاح الشركة باستخدام مصطلح "field proven"
إفصاح الشركة باستخدام مصطلح "tested and proven systems"
وتجلى استخدام تلك المصطلحات في ثلاثة مستويات:
- لغة تقريرية/حكومية: داخل التقارير السنوية (Form 20‑F) يتم ربط القدرة التنافسية للشركة بـ"combat‑proven performance" و/أو "operationally‑proven systems"، ويقصد هنا أنها "أداء مثبتة عمليا"، أو "مجربة في القتال".
- لغة تسويق‑وعقود: داخل بيانات العقود أو الصفقات الرسمية (في بورصة تل أبيب/و إفصاحات الشركة) تم استخدام عبارة "مجربة في القتال" في وصف أنظمة بعينها (مثل نظام مدفعية هاوتزر متطور عيار 155 ملم ATMOS) أو في تبرير الطلب المتزايد على حلول بعينها (مثل أنظمة الحرب الإلكترونية).
- لغة مرتبطة بسياق الحرب، تُظهر كيف تُدرج الشركة خبرة الحرب الإسرائيلية على غزة بوصفها عاملاً رافعاً للطلب على منتجاتها (خصوصاً لدى وزارة الجيش الإسرائيلية).
وكان لافتاً في المواد التي أمكن التحقق منها من خلال منصات الإفصاح الرسمية (EDGAR/بورصة تل أبيب)، أن الشركة لا تقدم معياراً إجرائياً واضحاً يحدد متى يصبح المنتج "combat‑proven" (مثل اشتراط مسرح عمليات محدد، أو فترة تشغيل، أو عدد طلعات/حوادث). لكن الشركة استعملته غالباً كوسم نوعي مرتبط بـ"الأداء/الاستخدام العملياتي» وبـ"خبرة السوق والاحتياجات في ساحات القتال الحديثة".
2- تغذية الحروب والحصار بتقنياتها
برز ذلك في الزيادة المطردة في إيراداتها في مناطق النزاعات والحروب وخاصة في قطاع غزة بعد 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
لم تكن الشركة الإسرائيلية بعيدة عن المشاركة في حصار غزة لمدة 17 عاماً، من خلال توفير التقنيات اللازمة للجدار المحيط بغزة، ومنها نظام استشعار للجيش الإسرائيلي، كجزء من التدابير التقنية لـ"الحدود الذكية" المُقامة حول الأسوار المحيطة بغزة، وصولا إلى المشاركة بتقنياتها في الحروب على غزة، وفقاً لمركز أبحاث "من يربح" المختص بكشف التورط الاقتصادي لشركات إسرائيلية ودولية بالاحتلال الإسرائيلي.
ووفقاً لمقابلة مع جنرال إسرائيلي في يونيو/حزيران 2021: "عملنا ليلاً ونهاراً بالتعاون مع الوحدة 9900، وشركة "إلبيت"، وإدارة تطوير الأسلحة والبنية التحتية التكنولوجية، لتحسين النظام. ونفّذنا أكثر من 30 عملية"، بحسب ما ذكره المركز البحثي.
وبحسب المركز البحثي فقد دفع استخدام هذه القدرات في مجال الذكاء الاصطناعي الجيش الإسرائيلي إلى وصف الهجوم على غزة بأنه "أول حرب ذكاء اصطناعي" في العالم.
وفي غزة، استخدم الجيش الإسرائيلي قنابل MPR 500 من إنتاج شركة إلبيت سيستمز في غاراته الجوية، وهي قنابل مصممة لاختراق الأهداف الصلبة والهجوم السطحي، ومعدّة خصيصاً لحروب المناطق الحضرية المكتظة بالسكان.
في 23 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، استخدم لواء الكوماندوز الإسرائيلي قذائف هاون دقيقة تسمى "اللدغة الحديدية"، وهي تجمع بين التوجيه بالليزر ونظام تحديد الموقع العالمي (GPS) بمدى يصل إلى 10 كيلومترات تقريبًا، وقد استخدمها الجيش لاحقا في هجماته على جنوب لبنان.
وفي 14 نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، وافقت الرقابة العسكرية على نشر خبر استخدام إسرائيل لـ"مجموعات كشف" الطائرات المسيّرة في عمليات قتل مُستهدفة في غزة، وتتألف هذه المجموعات من طائرات مسيّرة لجمع المعلومات الاستخباراتية ومعالجتها، إلى جانب طائرات هجومية لتدمير الأهداف، وفقا لمركز "من يربح".
وكانت هذه المجموعات الكشفية أحد المشاريع الرئيسية التي نُفّذت في الجيش الإسرائيلي بالتعاون مع شركة "إلبيت سيستمز"، بحسب المركز.
كما زودت الشركة الجيش الإسرائيلي بنظام الحماية النشطة المعروفة باسم "القبضة الحديدية" والمستخدم في ناقلة الجنود المدرعة "إيتان"، والتي دخلت الخدمة العملياتية في غزة في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، كما تم تركيب النظام في الجرافات العسكرية التي شاركت بالهجوم على غزة.
3- دعم نظام الفصل العنصري (Apartheid)
من خلال توفير البنية التحتية التكنولوجية للجدار الفاصل ونظم المراقبة البيومترية التي تكرس الاحتلال غير القانوني وتسهل قمع الشعب الفلسطيني، بحسب الحملة الشعبية لمقاومة جدار الفصل العنصري.
وتُعدّ شركة "إلبيت سيستمز" من أبرز مُورّدي نظام السياج الإلكتروني في جدار الفصل العنصري بالضفة الغربية المحتلة، إذ قامت بإنشاء هذا السياج الإلكتروني على امتداد حوالي 25 كيلومتراً حول شرقي القدس المحتلة، ما أدى إلى عزل سكان القدس الفلسطينيين عن الضفة الغربية، وذلك بموجب عقد بقيمة 5 ملايين دولار أمريكي مع وزارة الجيش الإسرائيلية.
وتُعدّ شركة Elbit Systems مورداً رئيسياً للتكنولوجيا، ومطوراً لأنظمة جمع البيانات المنتشرة في نقاط التفتيش الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
في سبتمبر/ أيلول 2025، أكدت منظمة العفو الدولية أن الشركات المصنعة للأسلحة التي تواصل توريد المعدات العسكرية لإسرائيل في ظل خطر واضح من استخدامها لارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، تخاطر بالتواطؤ في هذه الجرائم.
وأشارت المنظمة إلى أن إلبيت سيستمز رفضت المخاوف المتعلقة بحقوق الإنسان، مدعية أنها تعمل وفقاً لقوانين حكومة سيادية معترف بها دولياً، وهو مبرر لا يعفيها من المسؤولية الأخلاقية والقانونية المستقلة بموجب مبادئ الأمم المتحدة التوجيهية بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان.
إلى ذلك يضع تقرير أممي، "إلبيت سيستمز" في مقدمة الجهات الفاعلة في القطاع الخاص التي يرى أنها تتربح من "اقتصاد الاحتلال"، وتساهم بشكل مباشر في العمليات العسكرية والسياسات الاستيطانية.
وأدى التورط الواضح لشركة إلبيت في النزاعات إلى ظهور حركات احتجاجية مباشرة تهدف إلى تعطيل عمليات الشركة. ففي المملكة المتحدة، قامت مجموعة "Palestine Action" بسلسلة من الاقتحامات لمصانع إلبيت في بريستول وكينت وفيلتون، محطمة طائرات بدون طيار ومعدات عسكرية لمنع وصولها إلى مناطق النزاع.
ثانيا: خارطة انتشار شركة إلبيت سيستمز عالمياً وتغلغلها بالجيوش
تكشف إفصاحات الشركة عن شبكة واسعة من الفروع والشركات التابعة والمشاريع المشتركة. وتظهر المعطيات أن الشركة لا تكتفي ببيع السلاح، بل تدخل أيضاً إلى الجيوش عبر 4 أبواب:
إنشاء أذرع لها في الدول.
الاستحواذ على شركات محلية.
الدخول من "فجوات الحروب" وتلبية الاحتياجات الطارئة.
نقل وتوطين التقنيات عبر الشراكات.
أمريكا
ففي الولايات المتحدة، تأسس فرع Elbit Systems of America في أوائل التسعينيات لخدمة الجيش الأمريكي وتوطين التقنيات الإسرائيلية، وكانت مهامه عند الإنشاء تتركز على أنظمة إلكترونيات الطيران وبعض منتجات الرؤية الليلية بالتعاون مع مقاولين رئيسيين.
وعلى مر السنين توسّع نشاط الفرع بشكل كبير ليشمل الهندسة والتصنيع المحلي في مواقع بولايات عدة، مع إضافة قدرات الصيانة والإصلاح في منشآت ولايات مثل ألاباما وتكساس ونيوهامبشير وغيرها.
كما دخل الفرع في شراكات محلية مهمة، وشهد العقد الأخير استحواذه على شركات متخصصة، كمثال: الاستحواذ على شركة Sparton (ولاية فلوريدا) المتخصصة في أنظمة الحرب البحرية (السونار والعوامات الصوتية)، وكذلك شركة KMC Systems في نيوهامبشير المتخصصة في التصنيع الطبي – مما أضاف للفرع الأمريكي مجالات الحلول البحرية وأنظمة المعدات الطبية إلى جانب الأنظمة العسكرية.
أما بحلول 2026، أصبحت Elbit Systems of America مقاولًا رئيسيًا لبرامج الجيش الأمريكي (بما فيها برامج التمويل العسكري الأجنبي FMS) مع قدرات إنتاج متكاملة محليًا في الولايات المتحدة.
أمريكا اللاتينية: تَحوّلت البرازيل إلى نقطة الارتكاز الأهم لانتشار Elbit Systems هناك عبر مسارين متوازيين:
بوابة إلكترونيات الطيران من خلال AEL Sistemas التي تعمّق حضورها داخل برامج سلاح الجو البرازيلي.
بوابة الأنظمة البرية/البحرية عبر الاستحواذ: ففي ديسمبر 2010 استحوذت Elbit على شركتين برازيليتين هما Ares وPeriscopio، ما أتاح لها تمركزاً صناعياً محلياً في الأنظمة الأرضية/البصرية.
أوروبا
دخلت Elbit السوق البريطانية عبر "ترسيخ قدمٍ صناعية" داخل المملكة المتحدة، فبدأت عملياً بشراء أصول تمنحها قدرة تصنيع/دعم محلي، يمكن تسويقه للحكومة البريطانية، وذلك بعد استحواذها على شركة Ferranti Technologies (Group) Ltd، والتي وتشمل أنشطتها الرئيسية الهندسة والتصنيع والدعم اللوجستي لصناعات الطيران والدفاع.
ثم لاحقًا في يناير 2022 قررت Elbit Systems بيع وحدة Ferranti Power & Control إلى شركة محلية، وتقليص بعض العمليات على خلفية ضغوط حملات ناشطين متضامنين مع فلسطين.
ورغم الحملات، استمرت الشركة في تشغيل مواقع استراتيجية (مثل منشأة Ferranti في أولدهام، ومصنع Instro في كِنت، وموقع U-TacS في ليستر) للقيام بالإنتاج الإلكتروني والبصري وأنظمة الطائرات من دون طيار لدعم مشاريع الجيش البريطاني.
في يناير 2026 أعلنت Elbit Systems أن فرعها في المملكة المتحدة أكمل الاستحواذ الكامل على شركة U‑TacS، ما منحها ملكية مباشرة للبنية الصناعية المسؤولة عن تصميم وتطوير ودعم أنظمة Watchkeeper التكتيكية بدون طيار في بريطانيا، مع توجيه هذا المركز الصناعي لخدمة عملاء المملكة المتحدة وأوروبا وحلف الناتو.
في ألمانيا، بدأ حضور Elbit Systems مطلع الألفية، عندما استحوذت على شركة الاتصالات العسكرية Telefunken RACOMS، التي تخصّصت تاريخياً في أنظمة الاتصالات والراديو العسكرية، وزودت الجيش الألماني بأجهزة اتصالات تكتيكية. ووفر هذا الاستحواذ للشركة الإسرائيلية موطئ قدم جديد في أوروبا.
بحلول عام 2020 توسعت أنشطة الشركة بعد تغيير اسمها إلى Elbit Systems Deutschland GmbH، لتشمل مجموعة واسعة من المنتجات تشمل أنظمة الرؤية والإلكترونيات البصرية، والحرب الإلكترونية، وأنظمة الحماية من الصواريخ (DIRCM مثل نظام J-MUSIC)، والراديو البرمجي المتطور، والطائرات المسيرة والتقنيات السيبرانية وغيرها، وذلك بحسب ما نشرته على موقعها.
وذكر رئيس Elbit Systems أن الشركة تعمل في ألمانيا "منذ أكثر من عقد" وتبني قاعدة هندسية محلية قوية، ما يعكس انتقال الفرع الألماني من مجرد مزود أجهزة اتصالات إلى مركز تطوير وتصنيع متكامل يدعم متطلبات الجيش الألماني التقنية.
في شمال أوروبا، توسّع تواجد Elbit بشكل لافت في السنوات الأخيرة، ففي عام 2020 أسست الشركة فرعاً محلياً في السويد، وذلك بعد حصولها على عقود لتحديث القدرات الرقمية للجيش السويدي، وخاصة في مجال أنظمة القيادة والسيطرة والاتصالات التكتيكية(C4I).
وتوسعت مهام الشركة من مجرد مكتب تمثيلي عند الإنشاء إلى مزود حلول تكتيكية متكاملة وشريك نقل تقنية للجيش السويدي.
أما في سويسرا فقد تدرّجت الشركة بشكل أساسي عبر عقود لتوريد أنظمة غير مأهولة ومعدات حرب إلكترونية، ما ساهم في إنشاء وجود تمثيلي لها. حصلت الشركة عام 2015 على عقد من الجيش السويسري لتزويد طائرات استطلاع دون طيار من طراز Hermes 900 (ADS-15)، تضمن اشتراطات بتعاون صناعي محلي.
ولتنفيذ ذلك أسست ذراعاً محليا لتنسيق عمليات التسليم والصيانة، واعتمدت بشكل كبير على شراكة مع شركة RUAG السويسرية الحكومية لتكون شريك الصيانة والدعم المحلي لمعظم مشاريع Elbit في سويسرا.
عند بدء النشاط، تمحورت المهام حول تنفيذ اختبارات الطائرات دون طيار وتدريب المشغلين السويسريين بالتعاون مع RUAG، وكذلك دمج أنظمة حماية إلكترونية على منصات سويسرية.
رومانيا: لشركة Elbit تواجد تاريخي في رومانيا، التي تعتبر من أوائل مناطق انتشارها خارج إسرائيل، فقد بدأت منذ أواخر التسعينيات عبر التعاون مع شركات دفاع رومانية لتحديث أسطول الطائرات. وفي عام 1998 أسست الشركة مشروعاً مشتركاً مع شركة Aerostar الرومانية، تحت اسم A/E Electronics، حيث امتلكت Elbit الحصة الكبرى. وانصب تركيز المشروع على تصنيع ودعم المعدات الإلكترونية المستخدمة في برامج تحديث طائرات الميغ-21 لانسر الرومانية وطائرات التدريب المحلية.
مع الوقت، توسع نشاط Elbit في رومانيا ليشمل مجالات المحاكاة والتدريب وصيانة المنصات، وأصبحت الشركة تدير فروعاً ومرافق عدة، تعنى بتطوير أنظمة إلكترونية للجيش الروماني، إلى جانب تصنيع أجزاء من الطائرات دون طيار.
كما لدى الشركة وجود أقل حجماً في دول أوروبية أخرى عبر مكاتب تمثيلية أو استثمارات محدودة، فعلى سبيل المثال، أنشأت الشركة في المجر مكتباً صغيراً لمتابعة عقود تسليح جديدة شملت منظومات اتصالات ومدرعات، وكذلك شاركت Elbit في مشاريع داخل هولندا وإيطاليا وغيرها عبر تزويد معدات (مثل أبراج مدفعية أو أنظمة تدريب)، ومعظم هذه الأنشطة تدار عبر مقرات Elbit الأوروبية في المملكة المتحدة وألمانيا أو عبر شراكات محلية قصيرة الأجل.
أستراليا
أنشأت Elbit حضوراً قوياً لدعم عقود كبيرة مع قوات الدفاع هناك، ودخلت السوق الأسترالية بفوزها في مارس 2010 بعقد لتوريد نظام إدارة المعركة البري (BMS) ضمن مشروع LAND 75 وLAND 125 للجيش الأسترالي.
كما أسست فرعها المحلي Elbit Systems of Australia Pty Ltd، المسجّل رسميًا في كانبرا، والذي تولى تكييف أنظمة القيادة والسيطرة الإسرائيلية لتلبية متطلبات الجيش الأسترالي، وتوسعت لاحقًا لتطوير منظومات اتصالات مشفرة وحلول جندي رقمي، إضافة إلى خدمات التدريب والدعم الفني للوحدات الميدانية.
الهند
ترتبط Elbit Systems بعلاقات وشراكات مكثفة في الهند نظراً لسياسة توطين السلاح هناك، وقد بدأ الحضور الرسمي للشركة الإسرائيلية مبكراً، لكن الاختراق الأهم جاء عبر شراكات صناعية مع كبرى شركات الدفاع الهندية.
تمتد محفظة "إلبيت سيستمز" في الهند لتشمل المجالات الجوية والبرية والبحرية والإلكترونية، كالتالي:
الفضاء الجوي والأنظمة غير المأهولة.
الأنظمة الأرضية والمدفعية.
القيادة والسيطرة والحرب الالكترونية.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل دخلت الشركة بقوة في مجال الحرب تحت الماء (ASW) من خلال توطين إنتاج عوامات السونار (Sonobuoys) المتقدمة، وهو مجال كانت الهند تعتمد فيه كلياً على الاستيراد.
ومع حلول عام 2012، اتخذت الشركة خطوة هامة بتأسيس ELBIT SYSTEMS OF INDIA PRIVATE LIMITED) في دلهي، لتكون الذراع القانوني والإداري الذي يدير عملياتها المتسعة، والتي تتركز على تلبية الأنظمة المدفعية المتقدمة داخل الهند.
وكان التحول الحقيقي نحو "التوطين" حدث بالتزامن مع إطلاق الحكومة الهندية لمبادرة "اصنع في الهند" (Make in India)، حيث كانت "إلبيت" من أسرع الشركات العالمية استجابةً لهذا التوجه، من خلال تحويل علاقاتها مع الشركات الهندية من مجرد "وكلاء" إلى "شركاء في التصنيع"، عبر مشاريع مشتركة مع عمالقة القطاع القطاع الخاص الهندي، وتحديداً مجموعة أداني (Adani Group) وبهارات فورج (مجموعة كالياني)، وألفا ديزاين تكنولوجيز (Alpha Design Technologies)، ما جعل الهند لا تكتفي باستهلاك منتجات إلبيت بل تساهم في تصنيعها وتصديرها عالمياً.
في عام 2018 تأسست شركة أداني/ إلبيت للأنظمة المتقدمة في حيدر أباد، وقد مثل هذا المشروع أول منشأة لتصنيع الطائرات بدون طيار تابعة للقطاع الخاص في الهند، وأول منشأة خارج إسرائيل لتصنيع طائرة "هيرميس 900" (Hermes 900) من فئة الارتفاع المتوسط والتحمل الطويل.
اللافت أن هذه المنشأة لا تخدم الجيش الهندي فحسب، بل تقوم بتصدير هياكل الطائرات الكاملة والمكونات الفرعية مرة أخرى إلى إسرائيل وإلى عملاء دوليين آخرين.
أشارت تقارير في عام 2024 إلى أن المشروع المشترك بين "أداني" و"إلبيت" قام بتصدير طائرات مسيرة/أنظمة فرعية إلى إسرائيل خلال الحرب على غزة، بما فيها نحو 20 طائرة من طراز Hermes 900.
كما أبرمت الشركة الإسرائيلية مشروع مشترك مع شركة "ألفا ديزاين تكنولوجيز"، يركز على الإلكترونيات البصرية والحرب الالكترونية وما بات يعرف بـ"الذخائر المتسكعة التكتيكية" (SkyStriker)، والتي تم توريدها إلى الجيش الهندي.
إلى جانب ذلك تواصل إلبيت سيستمز تفعيل مشروعها المشترك مع "بهارات فورج" منذ 2013 لتوطين أنظمة المدفعية والهاوتزر داخل الهند.
وشكّل مشروع ATHOS 2052 وهو نظام المدفعية المقطورة المستقلة المتقدمة، حجر الزاوية في التعاون ما بين "بهارات فورج" و"إلبيت سيستمز"، وعلى الرغم من أن عملية الشراء كانت طويلة ومعقدة بسبب المنافسة مع النظام المحلي الهندي ATAGS، إلا أن المشروع أصبح لاعباً رئيسياً في تحديث المدفعية الهندية.
وتشارك "إلبيت" في مشروع هالبيت لإلكترونيات الطيران (HALBIT) مع "هندوستان للملاحة الجوية (HAL)"، الذي يتركز على إلكترونيات الطيران المتطورة المطلوبة لأساطيل المقاتلات والتدريب الهندية، والتي تشمل نطاق المحاكاة وبرمجة إلكترونيات الطيران وشاشات قمرة القيادة، مما جعلها منصة لنقل التكنولوجيا الإسرائيلية إلى الملاحة الجوية الهندية.
المغرب والإمارات
أظهرت بيانات الشركة ومصادر غربية، أن شركة إلبيت سيستمز الإسرائيلية عززت حضورها في بعض الدول العربية، وقد ساهمت اتفاقيات التطبيع بانتقال الشركة الإسرائيلية من العمل خلف الكواليس إلى تأسيس وجود رسمي في دول مثل الإمارات والمغرب.
تجلّى ذلك في زيادة التعاون الدفاعي الذي كسر الأرقام القياسية للصادرات الدفاعية الإسرائيلية لأربعة أعوام متتالية، حيث شكلت دول اتفاقات التطبيع أبراهام حوالي 12% من إجمالي هذه الصادرات في عام 2024، بحسب إفصاحات الشركة.
عقب توقيع اتفاقيات التطبيع (اتفاقيات أبراهام) في 2020، سارعت Elbit Systems إلى ترسيخ وجود رسمي في المنطقة، ففي نوفمبر/ تشرين الثاني 2021 أعلنت الشركة إنشاء فرع مملوك بالكامل في أبوظبي تحت اسم Elbit Systems Emirates (ESE).
في يناير/ كانون الثاني 2022، أعلنت "إلبيت سيستمز" أن فرعها في الإمارات فاز بعقد قيمته 53 مليون دولار أمريكي لتزويد طائرات التزود بالوقود التابعة للقوات الجوية الإماراتية بأنظمة الدفاع الجوي والحرب الإلكترونية. ويشمل العقد، الذي يمتد لخمس سنوات، توريد نظام متعدد الأبراج للتدابير المضادة بالأشعة تحت الحمراء المباشرة.
وركز الفرع على تسويق التقنيات الإسرائيلية المتقدمة التي باتت متاحة للإمارات، مثل الطائرات دون طيار المسلحة من طراز Hermes وأنظمة الاستطلاع والمراقبة بعيدة المدى، مع دراسة إقامة مشاريع تصنيع مشترك أو تجميع محلي لبعض هذه المنظومات في الإمارات على المدى البعيد.
في نوفمبر 2025، أعلنت الشركة عن توقيع عقد دولي ضخم بقيمة 2.3 مليار دولار لتوفير "حل استراتيجي" لعميل لم يتم تسميته رسمياً في حينه، إلا أن تقارير عالمية أكدت أن الإمارات هي المشتري السري لهذا النظام المتقدم.
ويعد هذا العقد، الممتد على مدار ثماني سنوات، أحد أكبر صفقات الدفاع في تاريخ إسرائيل، وهو يهدف إلى تعزيز قدرات حماية الطائرات المدنية والعسكرية الإماراتية ضد التهديدات الصاروخية المتزايدة، ويشمل:
منظومة J-MUSIC DIRCM: تزويد الأساطيل الجوية الإماراتية بنظام التدابير المضادة للأشعة تحت الحمراء القائم على الليزر. يعمل هذا النظام على اكتشاف الصواريخ الموجهة حرارياً (مثل صواريخ MANPADS) وتضليلها باستخدام حزمة ليزر عالية الدقة، مما يضمن بقاء الطائرات في بيئات التهديد العالية.
أنظمة القيادة والسيطرة المتقدمة: تشمل الصفقة دمج أنظمة رقمية تسمح بربط مختلف منصات الدفاع في شبكة موحدة، مما يحسن من سرعة الاستجابة واتخاذ القرار في العمليات العسكرية المعقدة.
وكذلك أصبح المغرب عميلاً رئيسياً لشركة إلبيت سيستمز في القارة الأفريقية، حيث تركز نفوذ الشركة هناك في سلاح المدفعية والأنظمة الصاروخية بعيدة المدى التي توفر قوة ردع حاسمة.
أبرز العقود بين الشركة والمغرب وفقاً للتقارير :
وتشير التقارير إلى أن المغرب قد أتم نشر هذه الأنظمة، وخاصة نظام "PULS"، في قواعد عسكرية استراتيجية عدة، ما عزز من قدرته على توجيه ضربات دقيقة في عمق مسارح العمليات المحتملة. كما أبدت الرباط اهتماماً بشراء "أبراج قتالية" (Turrets) من إلبيت لتحديث دباباتها ومركباتها القتالية، بحسب التقارير ذاتها.
ورغم أن شركة IAI هي التي تصدرت مشهد افتتاح مصنع للطائرات المسيرة (Bluebird) في المغرب، إلا أن إلبيت سيستمز تلعب دوراً حيوياً كمورد للأنظمة الإلكترونية وأجهزة الاستشعار (Payloads) التي تركب على هذه الطائرات.
ثالثا: جدول العقود المجهولة للشركة
تبين من خلال قراءة "عربي بوست" لعقود الشركة وتقاريرها المالية، أن "إلبيت سيستمز" تعتمد كثيراً أسلوب الإعلان عن "عميل دولي/أوروبي/آسيا-المحيط الهادئ" دون تسمية الدولة أو الجهة، حتى عندما تكون القيمة كبيرة.
ويُلاحظ من بيانات إلبيت سيستمز نفسها أنها تستخدم صيغاً معيارية لإخفاء هوية الزبون مثل:
"International customer" (عميل دولي).
"country in Asia-Pacific" (دولة في آسيا والمحيط الهادئ).
"country in Europe" (دولة أوروبية).
"NATO country" (دولة عضو في الناتو).
إفصاح الشركة باستخدام صيغة "International customer" (عميل دولي)
إفصاح الشركة باستخدام صيغة "country in Asia‑Pacific" (دولة في آسيا والمحيط الهادئ)
إفصاح الشركة باستخدام صيغة "country in Europe" (دولة أوروبية)
إفصاح الشركة باستخدام صيغة "NATO country" (دولة عضو في الناتو)
ففي عدد من الإعلانات المالية، يتم ذكر قيمة العقد وفترة التنفيذ بدقة، بينما تبقى الدولة غير مسماة، وهو نمط متسق مع عقود دفاعية ذات حساسية عالية (خصوصاً في مجالات الاستخبارات، الحرب الإلكترونية، والحماية الذاتية الجوية).
كما تُستخدم أحياناً عبارة أن قيمة العقد "ليست مادية" للشركة دون ذكر الرقم، مع بقاء الدولة مجهولة (مثل عقد Seagull USV في Asia-Pacific).
وتاليا جدول بأبرز العقود المجهولة التي أبرمتها الشركة خلال الـ5 سنوات السابقة:
العقد/المنتج
السنة
العميل (الدولة/المنطقة المذكورة)
القيمة
حلول دفاعية
2020
دولة في آسيا والمحيط الهادئ (غير مسماة)
670 مليون دولار
منظومات الحرب الإلكترونية
2020
القوات الجوية لدولة آسيوية (غير مسماة)
103 مليون دولار
تجهيزات استخباراتية للقطع البحرية
2020
دولة في جنوب شرق آسيا (غير مسماة)
53 مليون دولار
أجهزة اتصال لاسلكي تكتيكية
2020
عميل في آسيا والمحيط الهادئ (غير مسمى)
33 مليون دولار
مركبات سطحية غير مأهولة
2021
دولة في آسيا والمحيط الهادئ (غير مسماة)
(غير معلن)
أنظمة كهروضوئية مدعومة بالذكاء الاصطناعي لقوة بحرية
2021
قوة بحرية لدولة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ (غير مسماة)
80 مليون دولار
دبابات خفيفة
2021
دولة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ
172 مليون دولار
ناقلات جند مدرعة من طراز (VBTP 6X6)
2021
دولة في آسيا والمحيط الهادئ (غير مسماة)
46 مليون دولار
طائرات (Hermes 900) المُسيّرة
2021
دولة آسيوية (غير مسماة)
300 مليون دولار
أنظمة الحرب تحت الماء
2021
بحرية في آسيا والمحيط الهادئ (غير مسماة)
56 مليون دولار
مدافع الهاوتزر ذاتية الحركة من طراز (SIGMA)
2021
دولة في آسيا والمحيط الهادئ (غير مسماة)
106 مليون دولار
مجموعة من الأنظمة البرية
2021
عميل دولي (غير مسمى)
350 مليون دولار
خط إنتاج لذخائر المدفعية
2022
دولة في آسيا والمحيط الهادئ (غير مسماة)
130 مليون دولار
أنظمة الحرب الإلكترونية
2022
دولة في آسيا والمحيط الهادئ (غير مسماة)
69 مليون دولار
حلول الحرب الالكترونية
2022
عميل دولي (غير مسمى)
70 مليون دولار
ذخائر جوية دقيقة (حزم ليزارد)
2022
دولة في آسيا والمحيط الهادئ (غير مسماة)
220 مليون دولار
حلول الحرب الشبكية المتعددة المجالات
2022
دولة في آسيا والمحيط الهادئ (غير مسماة)
548 مليون دولار
أنظمة (DIRCM) والحرب الإلكترونية المحمولة جواً
2022
دولة في آسيا والمحيط الهادئ (غير مسماة)
80 مليون دولار
قدرات استخباراتية
2022
دولة أوروبية (غير مسماة)
660 مليون دولار
تحديث دبابات القتال الرئيسية (MBTs)
2022
عميل دولي (غير مسمى)
240 مليون دولار
قدرات التدريب على الحرب الإلكترونية
2022
دولة في آسيا والمحيط الهادئ (غير مسماة)
76 مليون دولار
أبراج غير مأهولة للعربات القتالية المدرعة (AFVs)
2022
دولة في آسيا والمحيط الهادئ (غير مسماة)
80 مليون دولار
حلول الاستخبارات الجوية
2022
دولة في آسيا والمحيط الهادئ (غير مسماة)
215 مليون دولار
منظومات (Hermes 900) الجوية غير المأهولة والتدريب عليها
2022
عميل دولي (غير مسمى)
72 مليون دولار
منظومات الحماية الذاتية للمروحيات (PAWS IR + Mini-MUSIC)
بين عامي 2020 و2025، ارتفعت إيرادات Elbit Systems (وفق بيانات مدقّقة في نماذج Form 20-F وبعملة الدولار الأمريكي) من نحو 4.66 مليار دولار إلى نحو 7.93 مليار دولار، أي نمو تراكمي يقارب 70% وبمعدل نمو سنوي مركب يقارب 11.2%.
جغرافياً، برزت أوروبا كقصة نمو كبيرة بين عامي 2023-2025، فيما شهدت حصة إسرائيل قفزة حادة في 2025 على خلفية توسّع الطلب المحلي، وهو ما يظهر أيضًا في ارتفاع تركّز عميل رئيسي (وزارة الجيش الإسرائيلية) ضمن نسب العملاء الكبار.
في ملف "اتفاقيات إبراهام"، تُقدِّم الإفصاحات الرسمية إشارات سياسية/استراتيجية إلى فتح أسواق جديدة بعد الاتفاقات، لكنها لا تقدّم تفصيلاً رقمياً للإيرادات المرتبطة بهذه الأسواق.
وكانت الإيرادات ما بين 2021 و2025 بحسب التوزيع الجغرافي:
أما بحسب القطاعات التشغيلية حتى نهاية عام 2025، كانت الإيرادات:
عند قراءة الإيرادات، يمكن الخروج بخلاصات متعلقة بنمو الإيرادات، كالآتي:
حمل عام 2025 "قفزة مزدوجة" أكثر وضوحاً، تمثّلت في صعود حاد لقطاع الأنظمة البرية إلى 2.25 مليار دولار بما يعادل 28.3% من الإيرادات، بالتوازي مع قفزة الإيرادات القادمة من إسرائيل إلى 2.56 مليار دولار أو 32.2% من الإجمالي، بما يعكس انتقال مركز الثقل من مجرد نمو تشغيلي إلى طلب حربي محلي كثيف.
وترسّخت أوروبا كسوق محورية بعد الحرب الروسية على أوكرانيا، لكنها في 2025 لم تعد فقط ساحة نمو سريع، بل أصبحت أيضاً ركيزة إيراد مستقرة عند مستوى مرتفع؛ إذ بلغت الإيرادات منها 2.14 مليار دولار، بما يعادل 27.0% من الإجمالي، مقابل 26.7% في 2024، ما يوحي بأن الطلب الأوروبي انتقل من مرحلة الاندفاعة إلى مرحلة الرسوخ عبر عقود ممتدة.
وفي المقابل، واصل وزن آسيا والمحيط الهادئ مسار التراجع النسبي داخل المزيج الجغرافي، إذ بلغت إيراداته 1.24 مليار دولار في 2025، بما يعادل 15.7% من الإجمالي، بعد أن كانت حصته أعلى في السنوات السابقة؛ ما يعني أنه ما زال سوقاً كبيراً، لكنه لم يعد المحرّك الأول لنمو الشركة كما كان في الذروة السابقة.
خامسا: استفادة شركة "إلبيت سيستمز" من الحرب الأوكرانية
تُظهر البيانات الرسمية المودعة لدى هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية، والافصاحات الموازية لدى بورصة تل أبيب، أن أوروبا تحوّلت منذ اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا في فبراير/ شباط 2022 إلى محرّك رئيسي للإيرادات والطلبات الجديدة لدى Elbit Systems.
برزت شركة "إلبيت سيستمز" الإسرائيلية كأحد اللاعبين المحوريّين في معادلة إعادة التسلح الأوروبي، وقد جاء هذا الصعود نتيجة لتوافر محفظة تقنية ومجربة قتالياً تتماشى مع الفجوات التي كشفتها الحرب في أوكرانيا.
تشير البيانات إلى أن الشركة انتقلت من مسار نمو مستقر إلى مسار نمو متسارع تزامناً مع بدء الدول الأوروبية تنفيذ برامج التحديث العسكري، على النحو التالي:
تطور المؤشرات المالية الرئيسية (2021 - 2025)
ماذا تقول البيانات؟
تقرّ الشركة في تقريرها السنوي لعام 2025 بأن طبيعة المتطلبات العسكرية والأمنية الداخليّة تطوّرت في السنوات الأخيرة بفعل الصراعات في أوروبا الشرقية والشرق الأوسط، إلى جانب تنامي عدم الاستقرار الجيوسياسي في آسيا-المحيط الهادئ؛ وتقول إن حكومات حول العالم أعلنت خططاً لزيادة الإنفاق الدفاعي وشراء قدرات متقدمة للاستعداد لصراعات "شديدة الحدة" مع قوى مماثلة.
في وثيقة رسمية موجّهة للمساهمين (Proxy Statement)، تربط الشركة صراحةً بين "الصراع بين روسيا وأوكرانيا" وبين الزيادة الملحوظة في الميزانيات الدفاعية عالمياً، ولا سيما في أوروبا. وتذكر أن أوروبا أصبحت "الجغرافيا الأهم" من حيث الإيرادات خلال أول تسعة أشهر من 2023، وأن الإيرادات الأوروبية ارتفعت بنحو 139% مقارنةً بالفترة نفسها من عام 2020.
ووفقاً لذلك، ارتفعت "حصة أوروبا" من الإيرادات من نحو 16.8% في 2021 إلى 22.6% في 2022، ثم قرابة 29.7% في 2023، قبل أن تستقر عند 26.7% في 2024 ثم 27% في 2025، بما يعكس انتقال السوق الأوروبية من مرحلة الاندفاعة السريعة إلى مستوى مرتفع ومستقر نسبياً داخل مزيج الإيرادات.
وقد تفوقت أوروبا على أمريكا الشمالية (20.9%)، لكنها جاءت بعد السوق المحلي الإسرائيلي (32.2%) الذي بات الجغرافيا الأولى للشركة من حيث الإيرادات في العام الكامل.
كيف تعزز هذا النمو؟
لم يكن الطلب الأوروبي مجرد رغبة في التحديث، بل كان مدفوعاً بحاجة ملحة وطارئة فرضتها ديناميكيات الحرب في أوكرانيا.
أولا: "التبرع والاستبدال"
فقد قامت العديد من دول الناتو بتقديم تبرعات سخية من مخزوناتها العاملة لدعم المجهود الحربي الأوكراني، وهذا الكرم الاستراتيجي خلق "فجوات خطيرة" في القدرات الدفاعية الوطنية لتلك الدول، مما استدعى حلولاً فورية للاستبدال.
الحالة الدنماركية: فقد قررت الدنمارك التبرع بكامل أسطولها من مدافع "CAESAR" الفرنسية (19 مدفعاً) لأوكرانيا. ترك هذا القرار الجيش الدنماركي بلا قدرات مدفعية ثقيلة تقريباً. وقد لجأت إلى "إلبيت" لشراء مدافع ATMOS وراجمات PULS كحل سريع لسد الفجوة.
الحالة الهولندية: تبرعت هولندا بمدافع هاوتزر ذاتية الحركة من طراز PzH 2000 لأوكرانيا، ولتعويض النقص وتعزيز القوة النارية الصاروخية التي كانت مفقودة، تعاقدت لشراء أنظمة PULS من إلبيت.
ثانيا: متطلبات الحرب الحديثة
فقد أثبتت الحرب في أوكرانيا أن المدفعية لا تزال "ملك المعركة"، والحاجة لضرب أهداف في العمق، والقدرة على "الضرب والهرب" لتجنب النيران المضادة، والتعامل مع الأهداف المساحية، كلها عوامل دفعت الدول الأوروبية للبحث عن:
أنظمة راجمات صواريخ متطورة، وهنا، قدمت "إلبيت" نظام PULS كبديل منافس لنظام HIMARS الأمريكي، مع ميزة التوفر والتنوع في الذخائر.
مدفعية الهاوتزر ذاتية الحركة (ATMOS)، فقد أثبتت الحرب أن المدافع المجنزرة الثقيلة (مثل PzH 2000) تتطلب صيانة معقدة وتعاني من مشاكل في الحركية الاستراتيجية، في المقابل، توفر المدافع المحمولة على شاحنات (مثل ATMOS) قدرة "اضرب واهرب" عالية، وسهولة في الصيانة، وسرعة في الانتشار، وهو ما جذب الدنمارك لاستبدال مدافعها الفرنسية بهذا النظام.
أنظمة الحماية النشطة (Iron Fist) والتي توفر حماية (Hard-kill)، حيث يكتشف الرادار التهديد القادم ويطلق مقذوفاً صغيراً لتفجيره بعيداً عن بدن المركبة. وتعاقدات دول أوروبية مع "إلبيت سيستمز" لدمج هذا النظام تعكس قناعة أوروبية بأن التدريع السلبي التقليدي لم يعد كافياً.
الطائرات المسيرة: حيث الطلب على طائرات (Hermes 900) و(Watchkeeper)، والتي لديها قدرات استطلاع ومراقبة طويلة الأمد (MALE)، وهي ضرورية لتوجيه نيران المدفعية بدقة وكشف تحركات العدو.
بالإضافة إلى أنظمة الحرب الإلكترونية والحماية الجوية (DIRCM & EW) التي أصبحت جزء أساسي في تكتيكات الحرب في أوكرانيا.
تحديات تواجهها شركة "إلبيت سيستمز" في أوروبا
رغم الأرقام القياسية، تواجه "إلبيت" تحديات قد تؤثر على استدامة هذا النمو في أوروبا، وهي:
تحقيقات الفساد في الناتو (NSPA):
فقد ظهرت تقارير في أواخر 2025 تشير إلى أن وكالة الدعم والمشتريات التابعة للناتو (NSPA) فتحت تحقيقات في شبهات فساد ورشوة تتعلق بعقود لعدة موردين، وتم ذكر اسم "إلبيت سيستمز" وشركة تابعة لها (Orion) في سياق تجميد محتمل لبعض العقود أو الاستبعاد من مناقصات معينة.
وتتعلق الشبهات بمحاولات للحصول على معلومات داخلية أو التأثير على قرارات الترسية، حيث يمثل هذا خطراً قانونياً وسمعةً قد يعيق توسع الشركة في عقود الناتو المركزية مستقبلاً.
سادسا: كيف استفادت الشركة وقطاعاتها من الحرب في غزة
قبل اندلاع الحرب في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، كانت "إلبيت سيستمز" تسير في مسار نمو مستقر مدفوعاً بزيادة الميزانيات الدفاعية العالمية نتيجة الصراع في أوكرانيا، ومع ذلك، فإن الهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة، غير أولوياتها بشكل جذري، حيث تحولت من التركيز الأساسي على الصادرات (التي كانت تشكل 80% من إيراداتها) إلى تلبية الاحتياجات العاجلة لوزارة الجيش الإسرائيلية.
ولا تُفصح الشركة عن بند "إيرادات حرب غزة" بشكل مباشر، لكن وثائقها تربط زمنياً وبصياغة صريحة بين الحرب وارتفاع الطلب من وزارة الجيش، وفي افصاحها عن أثر الحرب تقول إن الشركة شهدت "زيادة جوهرية في الطلب" من وزارة الجيش الإسرائيلية مقارنة بما قبل الحرب.
ووفقاً للبيانات، فإنه على مستوى التعظيم التجاري، يتجسد الأثر في ثلاثة مسارات:
مضاعفة التدفقات من إسرائيل وسلوك ربع سنوي يؤكد التحول (مثلاً: حصة إسرائيل في الربع الرابع 2023 بلغت 26.9% مقابل 18.0% في الربع الرابع 2022).
تضخم دفتر الطلبات إلى مستويات قياسية (22.6 مليار دولار بنهاية 2024 ثم 25.2 مليار دولار بنهاية الربع الثالث 2025).
تحسن الربحية والتدفقات التشغيلية: صافي الربح المنسوب للمساهمين ارتفع في 2024 إلى 321.1 مليون دولار (من 215.1 مليون في 2023)، والتدفق النقدي التشغيلي قفز إلى 534.6 مليون دولار (من 113.7 مليون)، مع تلميح الشركة إلى دور "زيادة التزامات العقود".
في المقابل، تُقِر الشركة رسمياً بأن الحرب رفعت المخاطر التشغيلية (قيود سلاسل الإمداد، استدعاء الاحتياط، قيود تصدير إلى إسرائيل، وهجمات على مرافق خارجية من منظمات مناهضة لإسرائيل)، وبأنها قد تواجه تردد بعض الدول في الشراء من شركات إسرائيلية حتى بينما ارتفع الطلب في أسواق أخرى.
جدول إيرادات الشركة ربعياً وحصة إسرائيل
مبيعات الأسلحة والأنظمة المستفيدة من عمليات غزة
استفادت "إلبيت سيستمز" من حاجة الجيش الإسرائيلي لأسلحة دقيقة وقدرات رقمنة عالية لمواجهة المقاومة الفلسطينية في بيئة حضرية مزدحمة مثل غزة، وقد تحولت هذه الحاجة إلى مبيعات ملموسة في عدة قطاعات.
قطاع الذخائر والأسلحة البرية
يعد قطاع الأسلحة البرية المستفيد الأكبر من الحرب، حيث ارتفعت إيراداته بنسبة 38% في عام 2025 وبنسبة 22% في الربع الرابع من نفس العام.
قذائف الهاون الموجهة "Iron Sting": تم استخدام هذه القذائف الموجهة بالليزر ونظام تحديد المواقع العالمي (GPS) لأول مرة بشكل مكثف في غزة، مما أدى إلى زيادة الطلب المحلي عليها لضمان الدقة في استهداف الأهداف الحضرية.
نظام الحماية النشط "Iron Fist": تم تركيب هذا النظام على ناقلات الجند المدرعة "Eitan" والجرافات العسكرية من طراز "D9"، وقد أثبت كفاءة في اعتراض القذائف الصاروخية (RPG) والملفات المضادة للدبابات في شوارع غزة.
الذخائر العامة: قامت الشركة بتوريد مئات الآلاف من قذائف المدفعية عيار 155 ملم وقذائف الهاون عيار 120 ملم، وهو ما انعكس في زيادة المبيعات بشكل مطرد.
قطاع الطائرات بدون طيار والاستخبارات
شكلت الطائرات بدون طيار العمود الفقري لعمليات الاستطلاع والهجوم في غزة.
Hermes 450 & 900: استُخدمت هذه الطائرات على نطاق واسع في عمليات الاستهداف والمراقبة المستمرة لقطاع غزة. أدى هذا الاستخدام المكثف إلى زيادة إيرادات قطاع الفضاء بنسبة 27% في الربع الأخير من عام 2024 نتيجة زيادة مبيعات الأنظمة غير المأهولة والذخائر الجوية الدقيقة.
طائرات Skylark: استُخدمت هذه الطائرات التكتيكية الصغيرة من قبل القوات البرية على مستوى الكتيبة لتوفير رؤية فورية خلف المباني وفي الأزقة.
قطاع الرقمنة والاتصالات (C4I & Cyber)
وقد شهد هذا القطاع نمواً بنسبة 16% في عام 2025، مدفوعاً ببيع أنظمة الراديو والقيادة والسيطرة المتقدمة في أوروبا وإسرائيل. وتم دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في هذه الأنظمة لتسريع حلقة "من المستشعر إلى الصياد" (Sensor-to-Shooter)، وهو ما تعتبره الشركة ميزة تنافسية كبرى تم "اختبارها في المعركة" خلال الحرب على غزة.