نوع مختلف عن الدعم المعلن الذي تلقاه الاحتلال من واشنطن يساعد على صمود قواته وزيادة فعاليتها على أرض القتال
تكشف بيانات رسمية وصل إليها موقع "عربي بوست"، نوعاً مختلفاً عن الدعم المعلن الذي تلقاه الاحتلال الإسرائيلي من الإدارة الأمريكية خلال حرب الإبادة على قطاع غزة، ليغوص أكثر في دعم وصل إلى أدق وأصغر التفاصيل المتعلقة بتجهيز الجندي الإسرائيلي وفعاليته على الأرض.
بينما تنشغل عناوين الأخبار بصفقات طائرات F-35 وقنابل MK-84 التي تزن ألفي رطل التي زودتها أمريكا لإسرائيل، فإن هذه البيانات تكشف كيف شمل الدعم الأمريكي أيضاً تفاصيل وعناصر قد تبدو بسيطة، لكنها مهمة في وظيفتها وفعاليتها بالنسبة لجنود الاحتلال ومركباتهم وتجهيزاتهم اللوجستية والتشغيلية خلال فترة الحرب.
ركّز فريق العمل على بيانات عام 2024 فقط، لضمان أن كل الدعم الذي حصلت عليه الحكومة الأمريكية كان مخصصاً للحرب على قطاع غزة، ومرتبطاً بها، نظراً لاستمرار الحرب خلال العام من بدايته حتى نهايته، حيث أن البيانات لا توفر تفاصيل الدعم بالأشهر بل بالسنوات.
البيانات في هذا التقرير تسلط الضوء على تفاصيل هذا الدعم الأمريكي، وطبيعته، التي عادة ما يتم تجاهلها في مقابل الصفقات الكبرى، لكن يقدم هذا التحقيق خريطة دقيقة لتفاصيل الدعم الذي شمل أبسط مستلزمات رفاهية الجندي على الأرض، ما يكشف عن شرايين لوجستية خفية، ودعم لاستدامة الجاهزية القتالية والمرونة العملياتية، للحفاظ على قدرة الجندي في الصمود في الميدان والاستمرار في العمليات العسكرية لمدة أطول.
قائمة على فرز مفصل لجميع البيانات الواردة في الملفات المعتمدة وتقسيمها إلى قسمين رئيسيين، الأول يركز على نوعية القطاعات التي شملها الدعم الأمريكي لإسرائيل خلال فترة الرصد، والثاني يركز على نوعية وطبيعة الدعم ضمن قطاع "الصراع والسلام والأمن" والذي كان الأكثر ارتباطاً بالحرب.
أظهرت البيانات التي قام فريق "عربي بوست" بتحليلها، تركيز واشنطن على دعم مجموعة من القطاعات الإسرائيلية بعينها، حيث بلغ عدد الصفقات التي تمت خلال عام 2024 أكثر من 1400 صفقة، وجاءت التفاصيل على النحو الآتي:
وبالنظر إلى تفاصيل الأرقام، نجد أن النصيب الأكبر لهذا الدعم تركز في البعد الأمني والاستراتيجي.
يندرج الدعم الأمريكي لأدق مستلزمات رفاهية واستدامة فعالية الجندي الإسرائيلي تحت قطاع واسع يُوصف في البيانات الرسمية تحت مسمى "قطاع الصراع والسلام والأمن"، الذي شمل أيضاً دعم المركبات ونظم التشغيل والدعم اللوجستي للجيش الإسرائيلي.
واستحوذ هذا القطاع على الحيّز الأكبر من التمويل الموجّه للاحتلال الإسرائيلي، وكان في الوقت ذاته الأكثر ارتباطاً بالحرب بشكل مباشر.
تشير الأرقام إلى أن الدعم المقدم لهذا القطاع تجاوز وحده 10 مليارات دولار، ويتم توجيهه بشكل أساسي لتعزيز القدرات الأمنية والدفاعية، مع تخصيص ما تبقى وهي نسبة ضئيلة نسبياً للقطاعات المدنية كالصحة والتعليم والطاقة.
هذا الرقم لا يعبّر فقط عن حجم التمويل، بل يعكس طبيعة الخيار السياسي والعسكري الذي يحكم توجيه هذه الأموال، ويشير بوضوح إلى أولوية واحدة: إدارة الحرب واستدامتها.
كما كشفت البيانات أن هذا الدعم كان عبارة عن شبكة واسعة من الأنشطة والطلبات المتكررة، بما يعكس نمط إمداد عسكري مستمر، ما يمنح الاحتلال الإسرائيلي قدرة شراء مفتوحة خلال الحرب.
وكان من ضمن هذا المبلغ، صفقة واحدة بلغت قيمتها 6 مليارات 800 مليون دولار، خُصصت لتمويل مبيعات الأسلحة والخدمات العسكرية دون ذكر طبيعتها.
أما بالنسبة لنوعية الدعم المقدم في قطاع "الصراع والأمن والسلام"، فقد كان على شكل 3 فئات رئيسية:
ضمن قطاع "الصراع والأمن والسلام" كان لافتاً أن جزءاً من الدعم الذي قُدم للاحتلال الإسرائيلي من قبل الخارجية الأمريكية، كان مخصصاً لأبسط مستلزمات الجندي الإسرائيلي على الأرض: ما ينام عليه، وما يختبئ تحته، وما يحمله على ظهره، وما يحمي ركبتيه ومرفقيه، وكيف يشرب الماء وهو يتحرك، وغيرها من المستلزمات بحسب البيانات المتاحة.
وفق البيانات، تم دعم الجيش الإسرائيلي بـ 16 نوعاً من احتياجات الجندي، وجميعها تم تسليمها بالفعل، وجاءت تفاصيل الدعم على النحو الآتي:
يمكن إدراج الـ16 نوعاً إلى ثلاث أقسام رئيسية تندرج تحتها وفق الشكل التالي:
بالنظر إلى هذه الأرقام نجد أننا أمام تمويل "تشغيلي/لوجستي" أمريكي منخفض نسبياً مقارنة بحزم السلاح الكبرى، لكنه يدخل في دعم الجندي الإسرائيلي خلال العمليات على الأرض، ونشاطاته اليومية الميدانية، وجاءت على النحو الآتي:
من خلال تحليل البيانات المتعلقة بقطاع "الصراع والأمن والسلام" سنجد نوعاً آخر من الدعم تلقاه الجيش الإسرائيلي، شمل هذه المرة كل ما يتعلق بنظم التشغيل ومنظومة الطيران والمركبات، الذي بلغت قيمته حوالي 8 مليون دولار.
هذا النوع من الدعم من شأنه أن يضمن لجيش الاحتلال توافر قطع الغيار وصيانة المعدات والاستدامة القتالية والجاهزية التشغيلية، ما يمثل "الشرايين" الحيوية لأي قوة عسكرية حديثة.
لا تتعلق الأهمية التي تقدمها هذه البنود للجيوش بالعمليات القتالية المباشرة بقدر ما تتعلق بـ"الجهوزية التشغيلية" و"الاستدامة اللوجستية".
وكشفت بيانات الصفقات عن أن دعم منظومة الطيران والمركبات الثقيلة استحوذ على أكثر من 81% من إجمالي الإنفاق المسجل في هذا القسم، فيما توزعت النسبة المتبقية على بنود فرعية أخرى من بينها قطع الغيار الميكانيكية ووحدات الاستقبال والإرسال الهوائي.
وفقاً للبيانات، شكّلت هذه التصنيفات الفرعية أبرز أشكال الدعم الذي قدمه البنتاغون لجيش الاحتلال فيما يتعلق بدعم نظم التشغيل ومنظومة الطيران والمركبات، وجاءت على النحو التالي:
تكشف البيانات التي تندرج تحت تصنيف "منظومة الطيران" عن تمويل أمريكي يغطي مكونات ذات تقنية عالية، خاصة في أنظمة التحكم بالطيران والملاحة (مثل الهوائيات وأجهزة الكمبيوتر الملاحية).
تظهر البيانات أن ما يقارب 66% من إجمالي التمويل المسجّل موجه لأنظمة الاتصالات والملاحة الجوية والهوائيات.
كما أن الإنفاق موجه بالكامل لقطع غيار وليس لشراء طائرات جديدة، ما يؤكد أولوية الصيانة والاستدامة.
إلى جانب الدعم الأمريكي سابق الذكر، رصد التحقيق مساراً لوجستياً ضخماً كشفت عنه البيانات بتنفيذ 262 صفقة بقيمة إجمالية بلغت 6,306,161 دولاراً، كتمويل مخصص للدعم اللوجستي. هذا الدعم لا يستهدف شراء منصات جديدة بقدر ما يركز على "إدامة القوة" وضمان جاهزيتها، ما يعكس استراتيجية إمداد متكاملة لضمان استمرارية العمليات العسكرية دون توقف.
تتجلى ضخامة هذا الدعم في تسليم 7,556 وحدة من المعدات وقطع الغيار، ما يبرز كثافة التدفق اللوجستي الميداني وتنوعه.
وتكشف البيانات أن هذا "الدعم اللوجستيكي" يتوزع بين آلاف الوحدات من القطع الميكانيكية والتحصينات الدفاعية، ما يمنع تعطل الآليات بسبب التآكل اليومي، ويؤمّن محيط القواعد العسكرية، محولاً الدعم إلى شريان حياة يومي يقلص زمن الإصلاح في الخطوط الأمامية.
أما مالياً، استحوذت أنظمة الإلكترونيات والتشغيل العميقة على الثقل الأكبر للميزانية، حيث وُجهت الملايين لضمان كفاءة الرادارات والمحركات والاتصالات. من أبرز المنتجات التي تعكس هذا التوجه: أجهزة إرسال الرادار (Transmitter Radar)، ومجموعات إمداد الطاقة (Power Supply)، والمشغلات الميكانيكية (Actuators)؛ وهي مكونات حاسمة لبقاء المنصات القتالية المتطورة في حالة تشغيلية كاملة.
تكشف البيانات عن تركيز لافت أيضاً على "تأمين الانتشار الميداني"، حيث لم يقتصر الدعم على المعدات التقنية فحسب، بل شمل توريد وحدات ضخمة من أدوات التحصين والدعم المعيشي. من أبرز الأمثلة توريد 888 عمود سياج معدنياً وكميات كبيرة من الأسلاك الشائكة وحقائب النوم المتطورة (Modular Sleeping Bags)، ما يشير إلى تجهيز القواعد العسكرية ونقاط التمركز لحالات الاستنفار الطويلة.
علاوة على ذلك، يظهر التحليل دعماً تخصصياً موجّهاً لـ"سلاح الجو ومنصات المناورة" عبر قطع غيار معقدة لا تتوفر إلا في سلاسل التوريد العسكرية المتقدمة. فقد شملت الصفقات مكوّنات حاسمة مثل أعمدة دوران المحركات الرئيسية للمروحيات (Main Rotor Mast)، وأغطية حماية الرادارات (Radome)، وأذرع التوازن للآليات الثقيلة (Trailing Arm).
في المحصلة، يظهر هذا النمط من الدعم تحولاً نحو استدامة القدرة القتالية وتقليلاً للهدر التشغيلي، عبر 262 تدخلاً لوجستياً دقيقاً.
إذ ورد في البيانات دعم أمريكي للجيش الإسرائيلي بـ:
ومنذ بدء الحرب على قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، قدمت الإدارة الأمريكية دعماً غير مسبوق للاحتلال الإسرائيلي، بلغ مجموعه خلال عامين من الحرب ما لا يقل عن 21.7 مليار دولار كمساعدات عسكرية لإسرائيل، وفقاً لدراسة أكاديمية نشرتها وكالة أنباء أسوشيتد برس الأمريكية في أكتوبر/تشرين الأول 2025.
وقالت دراسة أخرى، نشرها مشروع تكاليف الحرب في كلية واتسون للشؤون الدولية والعامة بجامعة براون، إن الولايات المتحدة أنفقت نحو 10 مليارات دولار إضافية على المساعدات الأمنية والعمليات في الشرق الأوسط الكبير خلال العامين الماضيين.
وفقاً لتقرير نشرته صحيفة The Washington Post، فإن الولايات المتحدة وافقت على أكثر من 100 صفقة مبيعات عسكرية خارجية صغيرة ومنفصلة منذ بداية الحرب، وهو ما سمح بنقل كميات هائلة من العتاد دون إثارة الجدل الذي تصاحبه الصفقات الكبرى التي تتطلب إخطاراً علنياً للكونغرس.
كما تعمّق الجدل أكثر عندما يُطرح سؤال مصدر هذا التمويل، إذ تُموَّل هذه المساعدات مباشرة من الميزانية الفيدرالية، أي من ضرائب المواطنين الأمريكيين.
وأظهرت استطلاعات رأي حديثة تراجعاً واضحاً في تأييد الرأي العام في الولايات المتحدة، خصوصاً بين فئة الشباب والتقدميين، لاستخدام أموالهم في حرب تُتهم على نطاق واسع بارتكاب إبادة جماعية في غزة.
وانعكس ذلك في احتجاجات علنية وعرائض موقعة من موظفين حكوميين وأكاديميين وأطباء، اعتبروا أن ما يجري يمثل إساءة استخدام لأموال دافعي الضرائب.