تحقيق يكشف كيف تميّز تحديثات PayPal الجديدة ضد الفلسطيني وشراكتها مع شركة إسرائيلية تثير مخاوف على أمن بياناته
في كل مرة يرفع فيها مستخدم فلسطيني إلى منصة "باي بال" (PayPal) صورة جواز سفره أو بطاقته الشخصية أو يلتقط صورة لوجهه لإثبات هويته، فإنه قد يفترض أن هذه البيانات لن تغادر المنظومة التقنية للشركة إلا بالقدر اللازم لإتمام عملية التحقق، لكن مع دخول تحديثات جديدة حيز التنفيذ خلال يونيو/حزيران 2026، تتجاوز القضية مجرد إجراءات أمنية أو متطلبات تنظيمية.
هذه التغييرات التي أعلنت عنها منصة "باي بال" وبدأت فعلا في تطبيقها على المستخدمين الفلسطينيين في الأراضي المحتلة وقطاع غزة، تفتح الباب أمام أسئلة أكثر حساسية: من يعالج هذه البيانات؟ ومن يملك حق الوصول إليها؟ وما الذي تغيّر بعد انتقال عمليات "باي بال" في الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى كيان قانوني إسرائيلي جديد؟
التغييرات التي بدأت الشركة تطبيقها تفرض على الفلسطينيين إجراءات تحقق أكثر تشددا، تشمل التحقق البيومتري من الهوية، في وقت تكشف فيه وثائق "باي بال" أن جزءا من هذه العمليات يُنفذ عبر شركة إسرائيلية متخصصة في التحقق الرقمي، يقودها مسؤولون سابقون في وحدات الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، وتتولى معالجة وثائق الهوية والصور الشخصية ضمن منظومة الامتثال ومكافحة الاحتيال.
يتتبع هذا التحقيق خيوط العلاقة بين "باي بال" وشركات إسرائيلية تعمل في مجال الأمن السيبراني والتحقق البيومتري، ويبحث فيما إذا كانت التحديثات الجديدة تقتصر آثارها على الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، أم أنها تطرح أيضاً أسئلة أوسع بشأن خصوصية ملايين المستخدمين العرب حول كيفية جمع بياناتهم الحساسة ومعالجتها، ومن يقف خلف هذه المنظومة التقنية التي باتت تشكل بوابة إلزامية للاقتصاد الرقمي.
استند هذا التحقيق إلى تحليل وثائق وسياسات شركة "باي بال" والإفصاحات التنظيمية المتعلقة بأنشطتها في إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة، إلى جانب تتبع سجلات الشركات وعمليات الاستحواذ، ووثائق الخصوصية واتفاقيات معالجة البيانات، فضلاً عن مراجعة حسابات مسؤولين تنفيذيين وموظفين على منصات مهنية، وتقارير متخصصة في الأمن السيبراني وحماية البيانات.
من التحقق البيومتري إلى غياب "فلسطين".. كيف كشفت تحديثات PayPal الجديدة التمييز العنصري الرقمي؟
تحقيق: تحديثات PayPal الجديدة تكشف وجها جديدا للتمييز العنصري الرقمي ضد الفلسطينيين.
تحديثات PayPal تكشف شبكة إسرائيلية خلف التحقق من الهوية وتثير مخاوف من تعميق التمييز ضد الفلسطينيين.
داخل PayPal.. كيف يلتقي التمييز ضد الفلسطينيين مع شبكة شركات يقودها مسؤولون سابقون بالاستخبارات الإسرائيلية؟
من كيان سنغافوري إلى شركة تابعة إسرائيلية تخضع مباشرة لهيئة الأوراق المالية الإسرائيلية.
في بداية يونيو/ حزيران 2026، بدأت شركة "باي بال" تنفيذ مرحلة جديدة من إعادة هيكلة عملياتها في الأراضي الفلسطينية المحتلة، تمهيداً لنقل تشغيل خدماتها من الكيان السنغافوري "باي بال" Pte. Ltd إلى شركة تابعة جديدة تحمل اسم "باي بال" Israel Payment Services Ltd، بعد أن تقدمت بطلب للحصول على ترخيص مزود خدمات الدفع (PSP License) من هيئة الأوراق المالية الإسرائيلية.
بموجب هذا الانتقال، تصبح عمليات "باي بال" في هذه المنطقة خاضعة مباشرة للقوانين والرقابة التنظيمية الإسرائيلية، بما في ذلك التعليمات التي أصدرتها هيئة الأوراق المالية الإسرائيلية في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، والتي تُلزم شركات الدفع المرخصة بتطبيق إجراءات أكثر تشدداً للتحقق من هوية العملاء (KYC).
وتشمل هذه الإجراءات التحقق الإلكتروني من الهوية باستخدام الوثائق الرسمية، وفي بعض الحالات التحقق البيومتري عبر مطابقة صورة الوجه مع وثائق الهوية.
ورغم أن الشركة قدمت هذه التغييرات باعتبارها جزءا من متطلبات الامتثال التنظيمي، فإنها قد تثير مخاوف متعلقة بالحقوق الرقمية، ليس فقط بسبب تشديد متطلبات التحقق على الفلسطينيين، وإنما أيضاً لأنها تعمق ارتباط "باي بال" بالمنظومة المالية الإسرائيلية في وقت تواجه فيه الشركة انتقادات متواصلة بسبب سياساتها تجاه الفلسطينيين في الأراضي المحتلة.
لكن التغيير القانوني ليس سوى جزء من القصة. فمع تشديد إجراءات التحقق من الهوية، يبرز سؤال آخر أكثر أهمية: من يعالج فعلياً الوثائق الشخصية والبيانات البيومترية التي يرفعها المستخدمون إلى "باي بال"؟ وهو السؤال الذي يقود إلى شبكة من الشركات المتخصصة في التحقق الرقمي، تتصدرها شركة إسرائيلية أصبحت شريكاً رئيسياً في هذه العملية.
نطاق يتجاوز ما يلزم لإتمام عملية دفع — وينتهي عند وثيقة هوية وصورة وجه.
قبل الوصول إلى الشركات التي تتولى التحقق من الهوية، تكشف وثائق وسياسات الخصوصية الخاصة بـ"باي بال" أن الشركة تجمع نطاقاً واسعاً من البيانات عن مستخدميها، يتجاوز المعلومات الأساسية اللازمة لإنجاز عمليات الدفع.
فإلى جانب الاسم والعنوان والبريد الإلكتروني وأرقام الهواتف والبيانات المصرفية وسجل المعاملات، تجمع المنصة بيانات تقنية تتعلق بطريقة استخدام الخدمة، مثل نوع الجهاز ونظام التشغيل وعنوان الإنترنت (IP) والموقع الجغرافي التقريبي، فضلاً عن معلومات مرتبطة بسلوك المستخدم داخل المنصة، وفي بعض الحالات المواقع أو التطبيقات التي أحالته إلى "باي بال".
وقد تبدو البيانات أعلاه مطابقة بشكل كبير لما تطلبه كثير من التطبيقات الأخرى، ولكن بيانات وثائق الهوية والبيومترية، لا يوفر التطبيق لصاحبها إمكانية تغييرها أو استبدالها أو حذفها، إلى جانب أن الجهة التي تقوم بإدارة هذه العملية نيابة عن باي بال تثير التساؤلات والمخاوف على أمن المعلومات الشخصية والجهات التي تحصل عليها، كما سيتم توضيحه لاحقاً.
وعند الاشتباه بوجود مخاطر تتعلق بالاحتيال أو عند تطبيق متطلبات "اعرف عميلك" (Know Your Customer - KYC)، تطلب الشركة من المستخدمين رفع وثائق رسمية لإثبات الهوية، مثل جواز السفر أو بطاقة الهوية أو رخصة القيادة، إلى جانب صورة شخصية أو مقطع فيديو قصير للتحقق البيومتري من مطابقة الوجه مع الوثيقة الرسمية.
وتؤكد سياسة الخصوصية أن هذه البيانات تُستخدم لأغراض الامتثال التنظيمي ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب ومنع الاحتيال، وهي متطلبات تفرضها السلطات التنظيمية في مختلف الدول التي تعمل فيها الشركة.
غير أن تنفيذ هذه العمليات لا يتم بالكامل داخل "باي بال" نفسها، إذ تعتمد الشركة على مزودي خدمات خارجيين متخصصين في التحقق الرقمي من الهوية، وهو ما تقر به وثائقها الخاصة بمعالجة البيانات. ومن بين هؤلاء المزودين تبرز شركة إسرائيلية أصبحت تؤدي دوراً محورياً في عمليات التحقق البيومتري التي تجريها "باي بال".
"Au10tix Limited" — شركة إسرائيلية تقرأ جواز سفرك وتطابق وجهك بالوثيقة.
تكشف وثائق معالجة البيانات التي نشرتها "باي بال" أن الشركة تعتمد على "Au10tix Limited" لتنفيذ جانب من عمليات التحقق من الهوية الرقمية، وهي شركة إسرائيلية متخصصة في حلول التحقق البيومتري واستخراج البيانات من الوثائق الرسمية وكشف محاولات التزوير والاحتيال.
تشمل الخدمات التي تقدمها الشركة قراءة البيانات آليا من جوازات السفر وبطاقات الهوية ورخص القيادة، ثم مطابقة الصورة الشخصية أو صورة "السيلفي" مع الوثيقة الرسمية باستخدام تقنيات التعرف على الوجه والتحقق من "حيوية" الصورة (Liveness Detection)، وهي خطوة تهدف إلى التأكد من أن الشخص الذي يجري عملية التحقق حاضر فعلاً وليس يستخدم صورة ثابتة أو هوية مزورة.
وبحسب وثائق "باي بال"، تُستخدم هذه الخدمات ضمن إجراءات الامتثال وإدارة المخاطر، ما يعني أن المستخدم الذي يُطلب منه توثيق هويته قد تمر بياناته ووثائقه عبر أنظمة "Au10tix" لإتمام عملية التحقق.
لا يثير هذا التعاون اهتمام الباحثين في الخصوصية بسبب طبيعة التكنولوجيا المستخدمة فحسب، بل أيضا بسبب هوية الشركة نفسها وخلفية مؤسسيها وكبار مسؤوليها، فضلا عن سجلها في التعامل مع البيانات الحساسة، وهي عوامل دفعت عدداً من الباحثين إلى طرح تساؤلات حول مستوى الحوكمة والرقابة المفروضة على البيانات البيومترية التي تُعالج عبر هذه المنظومة.
وبحسب البحث الذي أجراه "عربي بوست"، فإن "Au10tix" ليست مجرد شركة ناشئة تعمل في مجال التحقق الرقمي، بل تمتد جذورها إلى شبكة من الشركات الأمنية الإسرائيلية، ويقودها مسؤولون سابقون ارتبط بعضهم بوحدات استخبارات عسكرية إسرائيلية، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات أوسع حول طبيعة هذه المنظومة والعلاقات التي تقف خلفها.
من شركة أمن مطارات أسّسها الأب، إلى مزوّد تحقق بيومتري عالمي يقوده الابن.
لا تقتصر أهمية شركة "Au10tix" على كونها مزودا تقنيا لخدمات التحقق من الهوية، بل تمتد إلى هوية مؤسسيها والشبكة المؤسسية التي خرجت منها.
فقد أسس الشركة رون أتزمون (Ron Atzmon)، الذي تشير سيرته المهنية المنشورة إلى خدمته العسكرية السابقة، بينما ربطت تقارير إعلامية متخصصة اسمه بالوحدة 8200 التابعة للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، وهي الوحدة المعروفة بتطوير تقنيات الاستخبارات الإلكترونية والحرب السيبرانية، والتي خرج منها عدد كبير من مؤسسي شركات التكنولوجيا والأمن السيبراني في إسرائيل.

يكشف تتبع السجل المؤسسي للشركة أن "Au10tix" لم تنشأ بمعزل عن هذه البيئة، بل تعد إحدى الشركات التي خرجت من مجموعة "ICTS International"، وهي شركة أمنية أسسها مناحيم أتزمون، والد مؤسس "Au10tix"، بالتعاون مع مسؤولين سابقين في جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشين بيت) ومسؤولين أمنيين سابقين في شركة الطيران الإسرائيلية "العال"، بهدف تسويق الخبرات الأمنية الإسرائيلية في حماية المطارات والبنى التحتية حول العالم.
خلال العقدين الماضيين، تحولت "Au10tix" من شركة متخصصة في التحقق من وثائق السفر إلى واحدة من أبرز مزودي خدمات التحقق البيومتري عالمياً، لتضم قائمة عملائها شركات كبرى في قطاع التكنولوجيا والخدمات الرقمية، من بينها X (تويتر سابقاً)، وTikTok، وUber، وCoinbase، وLinkedIn، إلى جانب "باي بال".
ولا يشكل هذا السجل في حد ذاته دليلاً على إساءة استخدام البيانات، لكنه يفسر جانباً من الاهتمام الذي يحظى به دور الشركة في معالجة البيانات البيومترية، خاصة في ظل ارتباطها ببيئة أمنية واستخباراتية إسرائيلية، واعتماد منصات مالية كبرى عليها في التحقق من هويات ملايين المستخدمين.
من برمجية خبيثة على جهاز مسؤول عمليات، إلى تسوية بمليوني دولار في نيويورك.
إلى جانب الخلفية المؤسسية للشركة، يبرز سجلها الأمني بوصفه أحد أبرز أسباب الجدل المحيط بدورها في إدارة عمليات التحقق من الهوية.
فبين ديسمبر 2022 ويونيو 2024، تعرضت "Au10tix" لاختراق إلكتروني ناتج عن إصابة جهاز أحد مسؤولي العمليات ببرمجية خبيثة، ما أدى إلى تسريب بيانات اعتماد خاصة بموظفين عبر منصة "تلغرام".

ووفق التحقيقات التي كُشف عنها لاحقاً، أتاح الاختراق الوصول إلى أنظمة تضم وثائق هوية وصور جوازات سفر وبيانات بيومترية لمستخدمين، كما أشارت تقارير متخصصة إلى أن بعض البيانات ظلت معرضة للخطر حتى بعد إعلان الشركة احتواء الحادث.
وفي فبراير/شباط 2026، أثار تقرير نشرته منصة "مينتبريس نيوز" تساؤلات إضافية بعدما أورد شهادات لمستخدمين على منصة "إكس" قالوا إن أسماءهم الحقيقية بدأت تظهر في عمليات بحث من داخل إسرائيل بعد فترة قصيرة من رفع وثائقهم إلى نظام "Au10tix" لتوثيق حساباتهم.

ورغم أن هذه الملاحظات لا تشكل دليلاً قاطعاً على وجود تسريب من داخل الشركة، فإنها دفعت باحثين في أمن المعلومات إلى المطالبة بمزيد من الشفافية حول كيفية إدارة بيانات التحقق البيومتري.
ولا يقتصر سجل الحوادث الأمنية على "Au10tix" وحدها، إذ واجهت "باي بال" نفسها خلال السنوات الأخيرة عدداً من الحوادث المتعلقة بحماية بيانات المستخدمين.
ففي ديسمبر 2022، تعرضت الشركة لهجوم إلكتروني أدى إلى اختراق نحو 35 ألف حساب باستخدام بيانات تسجيل دخول مسربة من خدمات أخرى، وهو ما كشف معلومات شخصية شملت الأسماء والعناوين وأرقام الضمان الاجتماعي وتواريخ الميلاد.


وانتهت القضية في يناير/كانون الثاني 2025 بتسوية مع هيئة الخدمات المالية في ولاية نيويورك، دفعت بموجبها "باي بال" مليوني دولار بعد اتهامها بعدم الالتزام ببعض متطلبات الأمن السيبراني.

كما كشفت الشركة في فبراير/شباط 2026 عن حادثة منفصلة نتجت عن خطأ برمجي في خدمة ""باي بال" Working Capital"، أدى إلى كشف بيانات بعض العملاء، من بينها الأسماء وأرقام الهواتف وتواريخ الميلاد وأرقام الضمان الاجتماعي، لمدة قاربت ستة أشهر.

ورغم اختلاف طبيعة هذه الحوادث، فإن تكرارها، إلى جانب اعتماد "باي بال" على شركات خارجية في معالجة عمليات التحقق من الهوية، يعيد طرح سؤال جوهري: إلى أي مدى تستطيع المنصات المالية العالمية ضمان أمن البيانات البيومترية التي أصبحت جزءاً أساسياً من خدماتها؟
لا خيار اسمه "فلسطين" في قائمة الدول، بينما تعمل الخدمة داخل المستوطنات.
لا يقتصر الجدل حول "باي بال" على آليات جمع البيانات أو الشركات التي تتولى التحقق من الهوية، بل يمتد إلى طبيعة الخدمة التي تقدمها الشركة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، والتي تواجه منذ سنوات انتقادات من منظمات حقوقية وسياسيين غربيين يتهمونها بالتمييز بين الفلسطينيين والمستوطنين الإسرائيليين.
فعند إنشاء حساب جديد، لا توفر المنصة خيار "فلسطين" ضمن قائمة الدول، وهو ما يضطر الفلسطينيين المقيمين في شرق مدينة القدس، أو أولئك الذين يمتلكون وثائق إسرائيلية، إلى تسجيل حساباتهم باعتبارهم مقيمين في "إسرائيل" إذا أرادوا الاستفادة من بعض الخدمات.
في المقابل، تتيح "باي بال" خدماتها للمستوطنين الإسرائيليين المقيمين في مستوطنات الضفة الغربية، رغم أن هذه المستوطنات تعد غير قانونية بموجب القانون الدولي.

وأثارت هذه السياسة انتقادات داخل الولايات المتحدة نفسها، إذ وجّه أحد عشر عضواً في الكونغرس رسالة إلى إدارة "باي بال"، اعتبروا فيها أن استمرار الشركة في تقديم خدماتها للمستوطنين الإسرائيليين، مقابل حرمان الفلسطينيين من الوصول المتكافئ إلى الاقتصاد الرقمي، يثير مخاوف تتعلق بالتمييز وانتهاك الحقوق الاقتصادية.
ولم تقدم الشركة تفسيرا تفصيليا لهذه السياسة، واكتفت في مناسبات سابقة بالإشارة إلى أن البيئة التشغيلية في الأراضي الفلسطينية "عالية المخاطر"، وهو مبرر لم يقنع منتقديها، الذين يشيرون إلى أن "باي بال" تواصل العمل في أسواق ودول تشهد نزاعات مسلحة أو أوضاعاً أمنية أكثر تعقيداً.

ومع بدء تطبيق التحديثات الجديدة الخاصة بالتحقق من الهوية، يخشى حقوقيون من أن تتحول هذه الإجراءات إلى عائق إضافي أمام الفلسطينيين، إذا ارتبط استمرار استخدام الخدمة بمتطلبات تحقق لا يستطيع جميع المستخدمين استيفاءها، أو تتطلب وثائق لا يمتلكها كثير منهم.
الأسئلة لا تتوقف عند الحدود الجغرافية للأراضي المحتلة.
ورغم أن التحديثات التنظيمية الأخيرة تستهدف عمليات "باي بال" في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فإن الأسئلة التي يثيرها التحقيق لا تتوقف عند الحدود الجغرافية لهذه المنطقة.
فسياسات جمع البيانات الشخصية والمالية، وإجراءات التحقق من الهوية التي تعتمدها "باي بال"، تُطبق بدرجات متفاوتة على مستخدمي المنصة في مختلف أنحاء العالم، بما في ذلك الدول العربية التي تعمل فيها الشركة.
وعندما يُطلب من أحد المستخدمين توثيق هويته، قد تتضمن العملية رفع وثائق رسمية وصورة للوجه، وهي بيانات تشير وثائق الشركة إلى أنها قد تُعالج عبر مزودي خدمات خارجيين متخصصين في التحقق الرقمي، من بينهم الشركة الإسرائيلية Au10tix.
ولا يعني ذلك أن جميع بيانات مستخدمي "باي بال" تُنقل إلى شركة إسرائيلية، أو أن هذه البيانات تصبح متاحة تلقائيا لأي جهة حكومية. إلا أن اعتماد المنصة على مزود إسرائيلي في جزء من عمليات التحقق البيومتري يثير، بحسب خبراء في الخصوصية الرقمية، تساؤلات تتعلق بحوكمة البيانات، والجهات التي تعالجها، والضمانات القانونية التي تحكم استخدامها وحمايتها، خاصة عندما يتعلق الأمر ببيانات بيومترية ووثائق هوية يصعب على أصحابها تغييرها أو استبدالها في حال تعرضها للاختراق.
وتزداد هذه المخاوف مع تنامي الاعتماد العالمي على تقنيات التحقق البيومتري في الخدمات المالية، إذ لم يعد النقاش يقتصر على كفاءة هذه الأنظمة في مكافحة الاحتيال، بل أصبح يمتد إلى مسألة السيادة على البيانات الحساسة، والشفافية في اختيار الشركات التي تتولى معالجتها، والرقابة المفروضة عليها.
وفي هذا السياق، لا تطرح قضية "باي بال" سؤالاً يتعلق بالفلسطينيين وحدهم، بل تفتح نقاشاً أوسع حول مستقبل الخصوصية الرقمية لملايين المستخدمين العرب الذين يعتمدون على المنصات المالية العالمية في معاملاتهم اليومية، دون أن يعرف كثير منهم كيف تُعالج بياناتهم، أو من هي الجهات التي تشارك في هذه العملية.
استحواذات ومراكز تطوير وكوادر — الارتباط أعمق من مجرد مزوّد خدمة.
لا يقتصر ارتباط "باي بال" بإسرائيل على اعتمادها على شركة "Au10tix" في بعض عمليات التحقق من الهوية، بل يمتد إلى شبكة أوسع من الشركات والاستثمارات والكوادر التي لعبت دوراً في تطوير البنية التقنية للشركة خلال السنوات الماضية.
فمنذ دخولها السوق الإسرائيلية، استحوذت "باي بال" على عدد من الشركات المحلية المتخصصة في الأمن السيبراني ومكافحة الاحتيال، من بينها FraudSciences عام 2008، التي شكلت نواة مركز الشركة لمكافحة الاحتيال في إسرائيل، ثم CyActive المتخصصة في التنبؤ بالهجمات الإلكترونية، قبل أن توسع حضورها عبر الاستحواذ على شركتي Curv وCymbio العاملتين في إدارة الأصول الرقمية والتجارة الإلكترونية.


كما توظف الشركة في مراكزها الإسرائيلية عددا من المهندسين وخبراء البيانات الذين تكشف سيرهم المهنية عن عمل سابق في وحدات الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، وعلى رأسها الوحدة 8200، وهو أمر شائع في قطاع التكنولوجيا الإسرائيلي، لكنه يكتسب حساسية إضافية عندما يتعلق الأمر بشركة مالية عالمية تتعامل مع بيانات مالية وبيومترية لملايين المستخدمين.



ولا يشكل وجود موظفين سابقين في هذه الوحدات، أو الاستحواذ على شركات إسرائيلية، دليلاً بحد ذاته على إساءة استخدام بيانات المستخدمين، إلا أنه يكشف حجم الارتباط المؤسسي والتقني الذي بنته "باي بال" داخل منظومة التكنولوجيا الإسرائيلية، وهي شبكة تزداد أهميتها مع انتقال الشركة إلى كيان قانوني إسرائيلي وتوسيع اعتمادها على تقنيات التحقق الرقمي.
وتواصل "عربي بوست" مع شركتي "باي بال" و"Au10tix" للحصول على تعليق بشأن نتائج هذا التحقيق، والاستفسار عن طبيعة معالجة بيانات المستخدمين، والضمانات المعتمدة لحماية البيانات البيومترية، ودور الشركات المتعاقدة في هذه العمليات، إلا أنه لم يتلقَّ رداً حتى موعد النشر.