
تتبّع "عربي بوست" كيف بنت إسرائيل، على مدار نحو عقد ونصف، شبكة متنامية من العلاقات العسكرية مع اليونان وقبرص، على الضفة المقابلة لتركيا من شرق المتوسط. شبكة عزّزت من خلالها القدرات العسكرية للبلدين، وربطت أجزاءً من تسليحهما وتدريبهما وصناعتهما الدفاعية بعقود إسرائيلية طويلة الأمد، فيما اتسع المجال المتاح أمام قواتها لاستخدام جغرافيتهما في التدريب والنشاط العسكري.
ويجري هذا التوسع في واحدة من أكثر المناطق حساسية بالنسبة لتركيا، إذ توجد اليونان التي تتنازع معها منذ عقود على بحر إيجه وجزره، وقبرص المقسمة منذ عام 1974، حيث تتمركز قوات تركية في الشمال، وجمهورية قبرص في الجنوب.
وعند مقارنة محطات التعاون العسكري بين إسرائيل واليونان وقبرص مع تحولات العلاقة بين أنقرة وتل أبيب، يظهر أن بعض أبرز قفزاته تزامن مع أزمات تركية إسرائيلية حادة، لكنه واصل التوسع أيضاً خلال فترات المصالحة.
ولإعادة بناء هذه الشبكة، جمعنا تفاصيلها المتفرقة في بيانات وزارات الدفاع والخارجية، والاتفاقات الرسمية، والسجلات البرلمانية، وإعلانات صفقات التسليح والمناورات المشتركة.
ولا يوجد حتى الآن تحالف دفاعي رسمي بين إسرائيل واليونان وقبرص، أو قاعدة عسكرية إسرائيلية دائمة معلنة على أراضيهما، لكن مسار العلاقة بين الأطراف الثلاثة يكشف توسعاً تدريجياً في العلاقات العسكرية، وسّعت إسرائيل من خلاله المجال المتاح أمامها للتدريب والنشاط العسكري خارج نطاقها الجغرافي الضيق، وأسهمت في الوقت نفسه في تعزيز القدرات العسكرية لدولتين تخوضان خلافات استراتيجية مزمنة مع تركيا.
تمثل العلاقات العسكرية بين إسرائيل واليونان وقبرص حالة لافتة في العلاقات العسكرية بين تل أبيب وأوروبا، فهي لا تقتصر على بيع الأسلحة أو إجراء تدريبات مشتركة، بل تشمل اتفاقات تنظّم وجود القوات، وبرامج تدريب وعقوداً طويلة الأمد لبناء القدرات العسكرية، وصفقات تسليح بمليارات اليورو.
ويرسم "عربي بوست" في هذا التتبع خارطة هذه الاتفاقيات، وأنواع الأسلحة والتقنيات الإسرائيلية المستخدمة في اليونان وقبرص، وتُظهر النتائج أن هذا الحضور في توسع مستمر، وأنه يجري على الضفة المقابلة لتركيا مباشرة، كما يُظهر تتابع الصفقات وطبيعتها أن العلاقة بينهم تعمّقت خطوة بعد خطوة.
تتوزع هذه الخريطة على مسارين رئيسيين: اليونان وقبرص. ويمكنك الانتقال مباشرة إلى المسار الذي تريد قراءته، أو مواصلة قراءة المادة بالكامل.
تمثل آخر اتفاقية وقعتها إسرائيل واليونان حتى تاريخ نشر هذه المادة أحدث وأضخم ما بلغته العلاقات العسكرية بين الجانبين، وتأتي في ذروة الخلاف الإسرائيلي التركي.
بموجب اتفاقية وقعها الجانبان في نهاية أغسطس/ آب 2026، ستقوم إسرائيل ببناء منظومة باسم "درع أخيل" فوق الأراضي اليونانية، بقيمة 3 مليارات يورو، وتتألف من شبكة متعددة الطبقات للدفاع ضد الطائرات والصواريخ الباليستية والمسيّرات.
تُعد هذه الصفقة استثنائية في تاريخ العلاقات العسكرية بين تل أبيب وأثينا، فهي حتى الآن أكبر صفقة دفاعية بينهما، وواحدة من أكبر صفقات تصدير السلاح في تاريخ إسرائيل، وتزداد أهميتها لكونها المرة الأولى التي تزوّد فيها وزارة الدفاع الإسرائيلية دولةً أخرى بمنظومة دفاعية متكاملة.

تتبّع "عربي بوست" مكونات الشبكة، ليتبين أنها تضم ما لا يقل عن 5 منظومات وقدرات إسرائيلية، يؤدي كل منها وظيفة مختلفة. (لقراءة التفاصيل التعريفية بالمنظومات الإسرائيلية الـ5، اضغط على الجدول التفاعلي أدناه، ولتجاوز الجدول اضغط هنا)
تجاوز استعراض المنظومات ↩وبالتوازي مع "درع أخيل"، ستزود إسرائيل اليونان بمنظومات "درون دوم" التي تنتجها "رفائيل"، بقيمة 26 مليون يورو، والمخصصة لمواجهة الطائرات المسيّرة وحماية المواقع الاستراتيجية.
وفيما لم تُشر أيٌّ من اليونان وإسرائيل إلى تركيا في سياق الاتفاق على منظومة "درع أخيل"، فإن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس قال بالتزامن مع توقيع الاتفاقية، إن "إسرائيل واليونان تواجهان تحديات إقليمية مشتركة".
لكن "درع أخيل" لم يكن نقطة البداية. فقبل أن تصل العلاقة بين البلدين إلى بناء شبكة دفاع جوي متكاملة، كانت إسرائيل قد وسّعت حضورها داخل قطاعات أخرى من القدرات العسكرية اليونانية، من النيران بعيدة المدى إلى المراقبة والاستطلاع، عبر سلسلة من الصفقات والاتفاقيات التي مهّدت تدريجياً لهذا المستوى من التعاون.
قبل 4 أشهر فقط من اتفاق "درع أخيل"، كانت أثينا قد فتحت باباً آخر أمام السلاح الإسرائيلي، وهذه المرة في مجال النيران بعيدة المدى. ففي أبريل/ نيسان 2026، وقّعت اليونان اتفاقاً لشراء منظومة المدفعية الصاروخية الإسرائيلية PULS، التي تنتجها شركة "إلبيت سيستمز"، في صفقة بلغت قيمتها نحو 650 مليون يورو.
تضمن هذه الاتفاقية لإسرائيل حضوراً طويل الأمد داخل القطاع العسكري اليوناني، إذ يمتد تنفيذ الاتفاقية لـ4 سنوات، ويعقبها دعم للمنظومات لمدة 10 سنوات أخرى.

تُظهر تفاصيل ميزات هذه المنظومة أن الوحدات التي تشغلها قادرة على استخدام أنواع مختلفة من الذخائر من منصة واحدة، وتقول الشركة المصنعة إن المنظومة تستطيع إطلاق صواريخ إلى مسافات تصل إلى 35 أو 40 كيلومتراً، وحتى 150 كيلومتراً، وحتى 300 كيلومتر.

تبيّن مراجعة أجراها "عربي بوست" لمذكرة مساءلة برلمانية في اليونان حول صفقة التسليح، وموجهة إلى وزارة الدفاع، أن اليونان ستحصل بموجب الاتفاق على 36 منصة إطلاق، لكن اللافت في المذكرة أنها ألمحت إلى أماكن استخدام هذه المنظومة، إذ قالت إن الصفقة هدفها "تعزيز قدرات مدفعية الجيش اليوناني وإمكاناته في منطقة إيفروس، وجزر بحر إيجه الشرقية، وجزر الدوديكانيز".
وهذه المناطق الـ3 تقع جميعها على الجهة الجغرافية المقابلة لتركيا، فإيفروس تقع على الحدود البرية المباشرة مع تركيا، بينما تمتد جزر شرق إيجه والدوديكانيز قبالة السواحل التركية.


لم تكن إيفروس والجزر اسماً عابراً في تتبّع صفقة PULS. فقد ظهرت هذه الوجهة أيضاً في المعلومات المنشورة عن منظومة إسرائيلية أخرى اشترتها اليونان قبل ذلك بـ3 سنوات، وهي Spike NLOS.
واشترت من إسرائيل في أبريل/ نيسان 2023 صواريخ Spike NLOS بصفقة عسكرية بلغت قيمتها 370 مليون يورو، وتنتج المنظومة شركة "رافائيل" الإسرائيلية، وصُممت "Spike NLOS" أساساً للاشتباك مع أهداف لا يملك مطلق الصاروخ خط رؤية مباشراً إليها. ويتراوح مداها المعلن بين 32 كيلومتراً للنسخ البرية والبحرية، و50 كيلومتراً عند الإطلاق من المروحيات.

وبمراجعة التصريحات اليونانية حول الصفقة، يتضح كيف سيتوزع استخدامها داخل القوات المسلحة. فقد حدد وزير الدفاع آنذاك نيكولاوس باناغيوتوبولوس مركبات القوات البرية وسفن السطح والمروحيات منصاتٍ لتشغيل الصواريخ؛ أي إن الصفقة توسّع استخدام السلاح الإسرائيلي عبر أكثر من فرع عسكري.
يطرح انتشار هذه المنظومة سؤالاً مهماً: أين ستُستخدم؟
لم تعلن وزارة الدفاع أو القوات المسلحة اليونانية مواقع نشرها رسمياً، لكن صحيفة "كاثيميريني" اليونانية، وهي من أبرز الصحف اليونانية، ذكرت أن 17 منظومة محمولة ستُنقل إلى "إيفروس والجزر" وتدخل ضمن سرايا مكافحة الدروع في كتائب المشاة الميكانيكية.
وهنا يعود النمط نفسه الذي ظهر في صفقة PULS، أي منظومات إسرائيلية تدخل إلى قدرات الجيش اليوناني، فيما تشير المعلومات المتاحة إلى توجيه جزء منها نحو المناطق الأكثر حساسية في المواجهة الجغرافية مع تركيا.
قبل أن تدخل صواريخ Spike NLOS ومنظومات PULS إلى الترسانة اليونانية، كانت التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية قد سبقتها إلى مجال آخر: المراقبة والاستطلاع الجوي طويل المدى.
في مايو/ أيار 2020، وقعت أثينا وتل أبيب اتفاقاً استأجرت اليونان بموجبه منظومة Heron 1 التي تنتجها شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية IAI لمدة 3 سنوات. وصُممت هذه الطائرة المسيّرة لمهام الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع والاستحواذ على الأهداف، مع قدرة معلنة على البقاء في الجو حتى 45 ساعة والتحليق على ارتفاع يتجاوز 35 ألف قدم.

وبمراجعة الإفادات التي قدمها وزير الدفاع اليوناني آنذاك، باناغيوتوبولوس، حول هذه الصفقة، ذكر أن مهمتهما ستشمل مراقبة الحدود البحرية والبرية.
في المداخلة البرلمانية نفسها، وضع باناغيوتوبولوس التعاون الدفاعي المتنامي مع إسرائيل ضمن حسابات الردع اليونانية تجاه أنقرة، قائلاً إنه يشكل "ثقلًا موازنًا للسلوك التركي غير المستقر والمزعزع للاستقرار". وربط مواجهة هذا السلوك ببناء "شبكة قوية من الردع" تقوم، بحسب تعبيره، على تعزيز التحالفات الاستراتيجية وتطوير القدرات التسليحية.


ثم جاءت بيانات وزارة الدفاع اليونانية لتكشف أين تعمل المنظومة فعلياً، فقد شُغّلت Heron 1 من وحدة للطائرات المسيّرة تابعة للجناح القتالي 135 في جزيرة سكيروس، وسط بحر إيجه، وبذلك اجتمعت في الصفقة 3 عناصر لافتة، وهي وجود منظومة استطلاع إسرائيلية الصنع، ومهمة معلنة لمراقبة الحدود، وموقع تشغيل داخل واحدة من أكثر المناطق حساسية في العلاقة اليونانية التركية.
وبالجمع بين البيان والمداخلة البرلمانية، تتضح صلة المنظومة بالمهمة والمكان الذي ستُنشر فيه: طائرات إسرائيلية الصنع تشغّلها اليونان من جزيرة في بحر إيجه، ومهمة معلنة لمراقبة الحدود، وتعاون يضعه الوزير ضمن حسابات الردع تجاه تركيا.
موقع جزيرة سكيروس وسط بحر إيجه
ولم يبقَ التعاون عند حدود عقد التأجير الأول. ففي 23 يوليو/ تموز 2026، أعلن وزير الدفاع اليوناني نيكوس ديندياس أن مجلس الأمن القومي الحكومي أقر اقتناء منظومة Heron 1 إضافية، وقال إنها ستعزز قدرات البلاد على المراقبة الجوية والتحكم ونقل البيانات، مضيفاً أن المنظومة سيكون بإمكانها، في مرحلة لاحقة، حمل أسلحة.

إذا كانت صفقات Heron 1 وSpike NLOS وPULS تكشف كيف دخلت المنظومات الإسرائيلية إلى مجالات مختلفة من القوات المسلحة اليونانية، فإن مشروع كالاماتا يُظهر كيف انتقلت العلاقات العسكرية بين إسرائيل واليونان إلى مستوى آخر تماماً، من توريد السلاح إلى المشاركة في بناء القدرة العسكرية نفسها.
في أبريل/ نيسان 2021، وقعت وزارتا الدفاع في البلدين اتفاقاً لإنشاء وتشغيل مركز تدريب جوي دولي تابع لسلاح الجو اليوناني داخل الجناح 120 للتدريب الجوي في كالاماتا. وتولت شركة Elbit Systems الإسرائيلية تنفيذ المشروع بعقد بلغت قيمته نحو 1.65 مليار دولار، أو 1.375 مليار يورو، ويمتد لنحو 20 عاماً.
وتبيّن تفاصيل العقد حجم الدور الموكل إلى الشركة، وهو إنشاء المركز وتشغيله، وتوفير طائرات تدريب جديدة، وصيانة أسطول التدريب، وتزويده بمحاكيات مترابطة ومحطات أرضية وأنظمة قيادة وسيطرة لإدارة التدريب. وهي مهام تجعل الشركة طرفاً مستمراً في عمل المركز طوال مدة التعاقد.
وتكشف بيانات وزارة الدفاع الإسرائيلية عن طبيعة هذا المشروع، إذ قالت إن المركز سيُقام وفق نموذج مدرسة الطيران التابعة لسلاح الجو الإسرائيلي، وإن "إلبيت" ستوفر أيضاً إلكترونيات تدريب افتراضية مدمجة داخل الطائرات، بالتوازي مع بحث تعاون لاحق بين مدرستي الطيران الإسرائيلية واليونانية.
بدأ المشروع يتحول إلى واقع عملي في مايو/ أيار 2023، مع تسليم أول طائرتين من أصل 10 طائرات تدريب مخصصة للمركز. وقال وزير الدفاع اليوناني آنذاك إن الاتفاق يشمل أيضاً إعادة جزء كبير من أسطول التدريب إلى الجاهزية، ووصف المشروع بأنه "أكبر اتفاق وأكثر مشروع استراتيجي في مجال التعاون الدفاعي بين اليونان وإسرائيل" حتى ذلك الحين.
وفي العام الذي وصلت فيه أولى طائرات كالاماتا، اتخذ الارتباط الصناعي شكلاً آخر. فقد استحوذت IAI في 2023 على 90.91% من شركة Intracom Defense اليونانية، في صفقة بنحو 60 مليون يورو. وهنا أصبحت الشركة الإسرائيلية مالكةً لغالبية أسهم شركة تعمل من داخل الصناعة الدفاعية اليونانية.

وبتتبّع إعلانات الشركة بعد الاستحواذ، يظهر عقد يربط هذا المسار الصناعي بإحدى المنظومات الواردة في "درع أخيل". ففي مارس/ آذار 2024، أعلنت Intracom Defense اتفاقاً مع الشركة المالكة IAI لتطوير نظام هجين للطاقة والتحكم المناخي لمنظومة BARAK MX، ليخدم القاذفات وعناصر أخرى من منظومة الدفاع الجوي والصاروخي.
وللإشارة، فإنه رغم هذا الاتفاق، بقيت "إنتراكوم ديفينس" كياناً يونانياً يعمل ضمن الأطر القانونية والتنظيمية اليونانية والأوروبية، رغم انتقال السيطرة على غالبية أسهمه.
توضح العقود السابقة ما حصلت عليه اليونان من تسليح وتدريب، وما تولّته الشركات الإسرائيلية داخل قطاعها العسكري. ولتتبّع استفادة القوات الإسرائيلية نفسها من العلاقة، راجعنا بيانات التدريبات العسكرية والمواقع التي استضافتها، وتُظهر هذه البيانات استخداماً متكرراً للقواعد ومناطق التدريب، ومساحات جوية لتنفيذ مهام خارج الحدود الإسرائيلية.
فعلى امتداد سنوات، استخدمت القوات الإسرائيلية المجال الجوي اليوناني والقواعد ومناطق التدريب في البلاد لتنفيذ تدريبات تتجاوز القتال الجوي التقليدي، وتشمل البحث والإنقاذ القتالي، والعمليات الجوية المعقدة، والتزود بالوقود، والطيران لمسافات بعيدة.
هذه الاستفادة من الجغرافيا اليونانية ظهرت الإشارة إليها في وقت مبكر من تنامي العلاقات العسكرية بين إسرائيل واليونان، ففي أغسطس/ آب 2010، كشفت وزارة الدفاع اليونانية أن برنامج التعاون العسكري السنوي مع إسرائيل يتضمن تدريبات لسلاحي الجو على البحث والإنقاذ SAR والبحث والإنقاذ القتالي CSAR داخل منطقة معلومات الطيران في أثينا، وهي مساحة جوية واسعة تدير اليونان حركة الطيران فيها.
لكن هذا الحضور التدريبي لم يبقَ عند المستوى نفسه. فمع مرور السنوات، أصبحت المناورات أوسع وأكثر تعقيداً، وبدأت المقاتلات الإسرائيلية تستخدم المجال اليوناني في سيناريوهات تمتد عبر مناطق واسعة من البلاد.
فمثلاً، في أبريل/ نيسان 2021، شاركت إسرائيل بطائرات F-15 وF-16 في مناورة INIOCHOS 21 التي استضافتها قاعدة أندرافيدا الجوية. وامتدت المناورة عبر منطقة معلومات الطيران في أثينا، من كورفو غرباً إلى كاستيلوريزو شرقاً، ومن تراقيا شمالاً إلى كريت جنوباً، وشملت تدريبات على عمليات جوية معقدة بمشاركة عدة دول.
لم تكن تلك أول مرة تستخدم فيها إسرائيل هذا المجال. ففي 2018، أشارت وثيقة برلمانية يونانية، نقلاً عن بيان للقوات الجوية، إلى تدريب ثنائي انطلق من قاعدة لاريسا، وشاركت فيه مقاتلات F-16 إسرائيلية وطائرة G550 للإنذار والمراقبة الجوية، ونُفذت خلاله مهام جو-جو وجو-أرض ضمن تشكيلات مختلطة.

وفيما تُمثل اليونان السوق الأوسع للسلاح الإسرائيلي في شرق المتوسط، فإن توسيع إسرائيل صفقاتها وعلاقاتها العسكرية مع قبرص يحمل أبعاداً أخرى ذات حساسية. فهنا يدخل السلاح الإسرائيلي إلى جزيرة مقسمة منذ عام 1974، مع وجود عسكري تركي في شمالها، وهو ما يجعل أي تغيير في القدرات العسكرية لجنوب الجزيرة جزءاً من مسألة التوازن القائم فيها.
وتبرز منظومة BARAK MX، التي سبق أن تتبّعنا موقعها في شبكة الدفاع اليونانية، بوصفها إحدى حلقات هذا التوسع. ففي 5 ديسمبر/ كانون الأول 2024، نقلت رويترز تقارير عن بدء تسلّم قبرص المنظومة. وفي الشهر نفسه، أكد مسؤول حكومي قبرصي رفيع لوكالة أسوشيتد برس وصول جزء منها، في سياق تحديث الدفاعات والابتعاد تدريجياً عن الأنظمة الروسية القديمة.
تُعد BARAK MX منظومة متكاملة للدفاع الجوي والصاروخي، تتكون من رادارات للكشف والتتبع، ونظام قيادة وسيطرة، وقاذفات تستطيع استخدام أنواع مختلفة من الصواريخ الاعتراضية.
وتقول IAI إن المنظومة مصممة لمواجهة طيف واسع من التهديدات، يشمل الطائرات والمسيّرات وصواريخ كروز والصواريخ الباليستية، فيما تسمح صواريخها الاعتراضية المختلفة بتغطية طبقات تصل، بحسب النوع، إلى 150 كيلومتراً.

لم تمر صفقة BARAK MX دون تعليق تركي عليها، وبحلول سبتمبر/ أيلول 2025، انتشرت تقارير عن وصول دفعة إضافية من المنظومة، وعندها جاء الرد التركي علناً؛ إذ قالت مصادر في وزارة الدفاع التركية إن أنقرة تتابع عن كثب تقارير شراء قبرص منظومة دفاع جوي من إسرائيل، محذرة من أن استمرار تسليح نيقوسيا قد يخل بـ"التوازن في الجزيرة" ويؤدي إلى عواقب خطرة.
وأضافت في تصريحات نقلتها وكالة الأناضول أن أي محاولة للإخلال بـ"التوازن في الجزيرة" تخضع للمراقبة، وأن تركيا تتخذ التدابير اللازمة لحماية أمن القبارصة الأتراك.
وتكتسب هذه الصفقة بعداً إضافياً عندما توضع داخل العلاقة الأمنية المتنامية بين قبرص وإسرائيل. ففي يناير/ كانون الثاني 2025، شدد وزير الدفاع القبرصي فاسيليس بالماس على القرب الجغرافي بين البلدين، قائلاً إن إسرائيل "جار" لقبرص وإن الإسرائيليين يستطيعون الوصول إليها خلال دقائق، مشيراً إلى وضع مميز لإسرائيل في استخدام القاعدة، مع تأكيده أنها لن تُخصص لمهام هجومية.
بالعودة إلى الصفقات الأقدم، تظهر صلة أخرى بين التسليح الإسرائيلي ومناطق النزاع مع تركيا، وهذه المرة في البحر. ففي أكتوبر/ تشرين الأول 2019، نشرت صحيفة "كاثيميريني" أن الحرس الوطني القبرصي تسلّم 4 مسيّرات من طراز Aerostar Tactical UAS، تنتجها شركة Aeronautics الإسرائيلية، بقيمة إجمالية قدّرتها بنحو 12 مليون يورو.
وبحسب وسائل الإعلام القبرصية، فإن الطائرات ستُستخدم لمراقبة البر والبحر، ما في ذلك المنطقة الاقتصادية الخالصة لقبرص.

وتكتسب الصفقة أهمية خاصة من توقيتها؛ إذ جاءت في ذروة التوتر بين نيقوسيا وأنقرة بشأن أعمال التنقيب عن الغاز في شرق المتوسط. ونقلت تقارير حينها أن المسيّرات ستُستخدم لمراقبة المنطقة الاقتصادية الخالصة، بالتزامن مع اعتراض قبرص على إرسال تركيا سفن تنقيب إلى مناطق تعتبرها نيقوسيا واقعة ضمن حقوقها البحرية.
ووفق دليل رسمي لوزارة الدفاع الإسرائيلية عن الصناعات الدفاعية، صُممت Aerostar Tactical UAS لمهام تشمل الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع فوق اليابسة والمناطق البحرية، وحماية الحدود والسواحل، والاستحواذ على الأهداف، كما يمكن تجهيزها بقدرات حرب إلكترونية واتصالات بحسب التهيئة.

وفي القوات البرية القبرصية، تتبّع "عربي بوست" تفاصيل دخول منظومة إسرائيلية أخرى إلى الجيش القبرصي، ففي أكتوبر/ تشرين الأول 2024، ظهرت منظومة Spike LR2 المضادة للدروع علناً للمرة الأولى لدى القوات القبرصية خلال العرض العسكري بمناسبة استقلال جمهورية قبرص.


لم يقتصر إثبات وجود المنظومة على ظهورها في العرض، ففي مايو/ أيار 2026، أعلن الحرس الوطني القبرصي رسمياً تنفيذ برنامج تدريب متخصص لأفراده على Spike LR2، بالتعاون مع شركتي Rafael وEuroSpike، شمل التدريب على المحاكيات وسيناريوهات مرتفعة الصعوبة لرفع كفاءة المشغلين.
وصُممت Spike LR2 كمنظومة كهروبصرية متعددة الأغراض، ويمكن تشغيلها بواسطة قوات المشاة، ومن المركبات المدرعة والسفن والمروحيات. وتحدد الشركة مداها عند الإطلاق من الأرض بنحو 5.5 كيلومترات، ويرتفع إلى 10 كيلومترات عند الإطلاق من المروحيات.
تتيح المنظومة أيضاً عدة أنماط للاشتباك، من بينها "أطلق وانسَ"، الذي يسمح للصاروخ بتتبع الهدف بصورة مستقلة بعد الإطلاق، و"أطلق وراقب/حدّث"، الذي يتيح للمشغّل متابعة الصاروخ والتدخل أثناء طيرانه، إضافة إلى إمكانية إطلاقه نحو إحداثيات هدف محددة مسبقاً.
بهذا، لم تعد التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية في قبرص مرتبطة بالمراقبة والاستطلاع فقط، بل امتدت إلى قدرات قتالية مباشرة داخل الحرس الوطني، بالتوازي مع دخول منظومات دفاع جوي أكثر تقدماً.
لم تسر العلاقة العسكرية بين إسرائيل وقبرص في اتجاه واحد. ففي مقابل دخول منظومات إسرائيلية إلى ترسانة الحرس الوطني، أتاحت الجزيرة للقوات الإسرائيلية مساحة للتدريب خارج أراضيها، وعلى تضاريس وبيئة عمليات أوسع من المسرح المحلي الإسرائيلي.
وبرز ذلك بصورة استثنائية في مايو/ أيار ويونيو/ حزيران 2022، حين نُقلت قوات إسرائيلية كبيرة إلى الجزيرة للمشاركة في مناورة AGAPINOR 2022، التي أطلق عليها الجيش الإسرائيلي اسم "ما وراء الأفق" (Beyond the Horizon).
وجاء التدريب في الأسبوع الأخير من مناورة "عربات النار" الإسرائيلية التي استمرت شهراً، ووصفه الجيش الإسرائيلي رسمياً بأنه تدريب متعدد الأفرع، "فريد والأول من نوعه" في قبرص. أما الحرس الوطني القبرصي، فقال في توثيق رسمي للمناورة إنها كانت، من حيث حجم الأفراد والوسائل المشاركة، أكبر مناورة نفذتها قبرص وإسرائيل معاً حتى ذلك التاريخ.
وتكشف المعلومات التي نشرها الجيش الإسرائيلي عن طبيعة السيناريو الذي كانت هذه القوات تتدرب عليه. ففي تقرير رسمي موسع عن المناورة، قال الجيش إن آلاف المقاتلين والقادة نزلوا على الأراضي القبرصية وحاكوا "قتالاً في عمق أراضي العدو"، وإن التدريب استهدف القدرة على نقل قوات كوماندوز ومظليين ووحدات هندسية وقوات خاصة جواً وبحراً إلى مناطق تبعد مسافات كبيرة عن الحدود الإسرائيلية.

بعد تتبّع الأسلحة والعقود ومواقع التدريب، وضع "عربي بوست" هذه الوقائع على خط زمني، وقارنها بمحطات التوتر والمصالحة بين تركيا وإسرائيل. وكان السؤال: إلى أي مدى ارتبط توسّع التعاون مع أثينا ونيقوسيا بتراجع العلاقة مع أنقرة؟
شملت المقارنة السنوات التي اشتد فيها الخلاف التركي الإسرائيلي، وكذلك الفترات التي عاد فيها الطرفان إلى التقارب. وتتيح قراءة المسارين معاً تمييز القفزات التي تزامنت مع الأزمات، والروابط العسكرية التي استمرت بعد انحسارها.
استبعدت تركيا إسرائيل من مناورة Anatolian Eagle الجوية، وحينها كان التعاون العسكري بين إسرائيل واليونان موجوداً، لكنه محدود.
دفع الهجوم الإسرائيلي على سفينة "مافي مرمرة" التركية العلاقة بين الجانبين إلى مرحلة أشد توتراً.
في العام نفسه، وداخل البرلمان اليوناني، طُرح سؤال صريح حول ما إذا كان تدهور العلاقة بين تركيا وإسرائيل يمثل "نافذة فرصة" لليونان.
وكشف رد وزارة الدفاع أن برنامج التعاون العسكري اليوناني–الإسرائيلي لعام 2010 كان قائماً بالفعل، ويشمل تدريبات للبحث والإنقاذ SAR والبحث والإنقاذ القتالي CSAR وتبادل ضباط، وأن العمل جارٍ على برنامج تعاون لعام 2011.
وسط الخلاف التركي الإسرائيلي، اعتبر وزير الدفاع اليوناني آنذاك أن تطوير العلاقات مع إسرائيل يمثل "خيارًا استراتيجيًا" يخدم المصالح اليونانية، وأعلن الاتجاه نحو اتفاق يوسع التعاون العسكري والاستراتيجي والدفاعي والتكنولوجي والصناعي.
وفي الوقت نفسه، حرص على القول إن تطوير العلاقة لا ينبغي تفسيره ببساطة باعتباره نتيجة للأزمة بين إسرائيل وتركيا.
في 2 من هذا الشهر، أعلن وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو رسمياً تعليق الاتفاقات العسكرية بين تركيا وإسرائيل وخفض العلاقات الدبلوماسية.
وفي الشهر نفسه، زار وزير الدفاع اليوناني إسرائيل، حيث انتقلت العلاقة العسكرية إلى إطار أكثر مؤسسية، عبر توقيع مذكرة تشغيلية للتعاون العسكري والدفاعي تتضمن أهدافاً وجداول زمنية للتعاون.
خلال الحرب الإسرائيلية على غزة، أكدت الخارجية التركية أن العلاقات مع إسرائيل لا تزال عند مستوى منخفض، وأن الروابط العسكرية المعلّقة بعد "مافي مرمرة" لم تُستأنف.
مقابل فتور العلاقات التركية الإسرائيلية، استمرت العلاقات بين إسرائيل واليونان وقبرص في التوسع، وحينها تحدث وزير الدفاع اليوناني عن أهمية التعاون العسكري والسياسي مع إسرائيل.
إسرائيل واليونان توقعان اتفاق SOFA الذي ينظم وجود العسكريين أثناء التدريبات والتعاون العسكري.
وزراء دفاع إسرائيل واليونان وقبرص يتحدثون عن "مرحلة جديدة" من التعاون الاستراتيجي، والتدريبات، وتبادل المعلومات الاستخبارية، والصناعة الدفاعية، وحينها تحدث الوزير اليوناني صراحة عن إنشاء محور آمن يبدأ بإسرائيل ثم قبرص ثم اليونان.
تركيا وإسرائيل توصلتا إلى اتفاق تطبيع.
وزير الدفاع اليوناني يعلن أن التعاون العسكري مع إسرائيل أصبح منهجياً خلال السنوات الـ3 السابقة، وتحدث عن مستوى مرتفع من توسيع التدريب والدفاع السيبراني وحماية البنية التحتية والصناعات الدفاعية.
تدهورت العلاقات التركية–الإسرائيلية مرة أخرى على خلفية غزة والقدس، وعاد مستوى التمثيل بين البلدين، منذ مايو/ أيار من ذلك العام وحتى نهاية 2022، إلى القائم بالأعمال بدلاً من السفراء.
وزراء دفاع إسرائيل واليونان وقبرص يعقدون الاجتماع الدفاعي الثلاثي الـ2 في قبرص، ويؤكدون التزامهم بالتعاون الاستراتيجي.
خلال الفترة التي بقي فيها التمثيل التركي–الإسرائيلي دون مستوى السفراء، حدثت قفزتان تختلفان نوعياً عن التدريبات السابقة.
دخول منظومة Heron الإسرائيلية إلى اليونان، مع انتقال أثينا إلى تشغيل مسيّرات إسرائيلية في مراقبة الحدود البحرية والبرية.
عقد كالاماتا بقيمة تقارب 1.65 مليار دولار، الذي أوكل إلى شركة Elbit الإسرائيلية إنشاء وتشغيل مركز تدريب سلاح الجو اليوناني لعقود.
الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ يصل إلى تركيا في إطار المصالحة، وفي 17 أغسطس/ آب 2022 أعلنت الدولتان قرار إعادة السفراء، فيما وصفت الخارجية التركية العملية بأنها عودة إلى التطبيع الكامل. لكن في العام نفسه استمرت العلاقة العسكرية مع اليونان وقبرص في التعمق.
إجراء مناورة Beyond the Horizon / Agapinor 2022 واسعة النطاق، التي نقلت إسرائيل خلالها الفرقة 98 وقوات خاصة برية وبحرية ووحدات استخبارات وأسراباً جوية إلى الجزيرة للتدرب في قبرص.
وفي العام نفسه أيضاً أصدرت الخارجية التركية موقفاً رسمياً من Agapinor 2022، معتبرة أن المناورة الإسرائيلية–القبرصية تجري على حساب استقرار المنطقة، وداعية الدول المشاركة إلى ألا تصبح أداة لما وصفته بالاستفزاز والدعاية القبرصية اليونانية.
العلاقات التركية–الإسرائيلية عادت إلى مستوى السفراء. ومع ذلك، شهد العام نفسه — وقبل 7 أكتوبر/ تشرين الأول — سلسلة تطورات كبيرة في العلاقات.
إسرائيل واليونان توقعان صفقة Spike بنحو 370 مليون يورو، وفي قبرص نُفذت تدريبات Sun Blue وAGAPINOR.
بعد اندلاع الحرب في غزة، تدهورت العلاقات بين تركيا وإسرائيل مجدداً، واستدعت أنقرة سفيرها في تل أبيب للتشاور، وفي السنوات التالية، دخل التعاون مع اليونان وقبرص مرحلة أكثر كثافة من حيث العقود والمؤسسية.
وقعت إسرائيل واليونان وقبرص خطة العمل المشترك لعام 2026، إلى جانب برنامج التعاون العسكري الإسرائيلي اليوناني، ما شمل أنشطة عملياتية، وتدريب قوات خاصة، واجتماعات وتنسيقاً بين المؤسسات العسكرية.
وقعت اليونان صفقة منظومة PULS الإسرائيلية بنحو 650 مليون يورو.
توقيع صفقة "درع أخيل" بين إسرائيل واليونان بنحو 3 مليارات يورو، وهي أكبر صفقة دفاعية في تاريخ العلاقات الإسرائيلية–اليونانية.
تكشف خريطة الصفقات والبرامج العسكرية التي تتبعها "عربي بوست" أن الحضور الإسرائيلي في اليونان وقبرص لم يعد مقتصراً على بيع منظومات عسكرية جاهزة، بل امتد إلى التدريب ونقل الخبرات والمشاركة في تطوير قدرات عسكرية يُفترض أن يستمر أثرها لسنوات.
بذلك يتشكل على الضفة المقابلة لتركيا نمط من التعاون يتجاوز علاقة البائع بالمشتري في صفقات السلاح، ويمنح إسرائيل دوراً متزايداً في البنية العسكرية لبلدين يرتبطان أصلاً بعلاقات متوترة ومعقدة مع أنقرة.